متاعب مهنة المتاعب
مهنة المتاعب لا تخلو يوما من متاعب المهنة في غياب إطار يؤطرها ويراعي تطورها وضرورة تماشيها والمتغيرات والتكيف مع كل جديد، لكن دائما ضمن المحددات الأساسية والقواعد الثابتة التي تربطها وتديرها والمتمثلة أساسا في أخلاق المهنة والمهنية.
المهنية التي لا زلنا كثيرا من ما نخلط بينها وبين المهنة أو الحرفة، كشكل من أشكال العمل ضمن حقل الإعلام والصحافة، من القسم التقني إلى المصلحة التجارية والإشهار إلى الإدارة والتحرير، ونغفل الجانب الأهم في الحرفة والمهنة، التي هي المهنية والحرفية، أي ذلك الإطار الأخلاقي والأدبي والثقافي الذي يلزم العامل في الحقل الإعلامي والصحفي سواء في الوسائط المكتوبة، الرقمية، المرئية أو المسموعة باحترام والذى يستند إلى القواعد التي تضبط الممارسة المهنية لفعل المهنة ومنها الانضباط الأدبي والأخلاق أثناء أداء ومزاولة مهنة الصحافة والإعلام ومنه، التقيد بالبحث عن الحقيقة ونشرها عبر مصادر موثوقة أو موثقة ومستندات يكون الهدف منها خدمة الرأي العام والمصلحة العامة لا الخاصة ولا الهدف منها التحريض ولا التهجم ولا الادعاء ولا الإضرار بمصالح الغير إلا إذا كان الخبر أو التحقيق كشفا محققا موثقا بمصادر تملك معطيات أو شهادة موثوقة يحق للصحفي الاعتماد عليها لتنوير الرأي العام وكشف الملابسات والفساد مع حقه في الاحتفاظ بسرية مصادره التي لا يحق لأحد أن ينتزعها منه إلا القاضي في المحاكمة إن حصلت.
هذا في مجال الخبر والتحقيق والتقارير الإخبارية، أما حقه في إبداء رأيه فالقانون يكفل له ذلك نظريا سواء في الدستور أو في قانون الإعلام، غير أن المرونة واللزوجة التي تصاغ بها القوانين كهذه عادة ما تخضع للتأويل السياسي والأيديولوجي والفكري والأهواء أحيانا مما يتسبب في كثير من حالات الدوس على حق وحرية التعبير. كما يمكن للكاتب وللإعلامي والصحفي أن يختفي خلف يافطة حق وحرية التعبير ليقول أو ينشر ما يشاء وعمن يشاء من دون اكتراث لما يقوله إن كان ما يقوله صوابا أو نصفه أو ثلثه أو لاشيء منه صواب على الإطلاق، فيتحول الرأي إلى تزييف وتعد وهمز ولمز وقذف وتشهير ذاتي لا موضوعية فيه، ظاهره رأي وباطنه تهجم وتشنيع.
العمل المهني في مهنة المتاعب ليس مجرد ممارسة واعية فردية ذاتية يمارسها أي فرد على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت هي الأخرى من الواجب إخضاعها للمساءلة القانونية كونها خرجت من دائرة التداول الضيق إلى الانتشار الموسع، مما يعني أنها أصبحت وسائل دعاية فردية وقنوات نشر وبث نصوص وصور وفيديوهات مثلها مثل أية وسيلة إعلام كلاسيكية، إنما فقط تفلت من القوانين الضابطة لعمل النشر والتوزيع، الممثلة في الانضباط المهني والالتزام الأخلاقي والخلقي باحترام مبادئ حرية الإعلام وضبط المفاهيم ضبطا أكاديميا وقانونيا وجزائيا.
لهذا كان من الواجب أن نعيد النظر في كثير من المواضيع المتعلقة بحرية النشر الرقمي بشكل خاص مع ضبط البوصلة، لكن بعيدا عن السلطوية التي تكرس عادة صحافة مدجنة مادحة ماسحة للجوخ كما يقول إخواننا المشارقة، بل حرية حقيقية تضمن الحق في إعلام نزيه بعيد عن الضغوط السياسية والتوجيه والإملاءات والتدجين وبعيدا أيضا عن التزييف والتحريف من طرف رجل المهنة، كما هو الشأن أيضا بالنسبة لأي مواطن ناشط في المجال عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بلا أدنى شك منافسا للإعلام الكلاسيكي، منابر ومنصات إطلاق لا تخلو من عدم الانضباط الأدبي والأخلاقي.