محاكمات على وقع الموسيقى والأغاني
تراتيل قرآنية، آذان، أدعية، زقزقة العصافير، أغاني راي وأخرى غربية… رنات بمختلف أنواعها، تزلزل قاعات المحاكم بوهران، تخرج من الفوهات الصوتية للهواتف النقالة لأهالي المحبوسين، وأحيانا من المحامين دون قصد، الأمر الذي يثير إزعاجا وذلك لشدة التوتر الممزوج بالخوف من الإدانة أو تمني البراءة، ما يجعل اللانظام واللاتركيز يسود في محاكمة مجرمين خطيرين، قبل أن تتدخل عناصر الشرطة لاحتواء الوضع مرارا وتكرارا.
تعرف قاعات الجلسات بالمحاكم سواء في قسم الجنح أو الجنايات مشكلة عويصة صعبة الحل تجعل من الجدية والصرامة في محاكمات المجرمين أو الاستماع إلى الضحايا بتمعن، تتحول إلى رحلة استرخاء وراحة تمر بردا وسلاماً على المحبوسون والحضور على حد سواء بعد أن ترخي أعصابهم المشدودة ولو قليلا، على وقع أفعال بعض الأهالي الذين ينسون هواتفهم النقالة شغالة لشدة التوتر والخوف، فتخرج أحياناً إحدى الأغنيات الرايوية أو الشرقية أو حتى الغربية الغريبة إلى العلن دون قصد، الأمر الذي يفقد التركيز كليا خاصة وأن أغلبية العجائز لا يعرفن كيفية إطفاء هواتفهم الجوالة ما يجعل الحضور والقاضي والشرطة في بعض الأحيان يستمع إلى الأغنية كاملة وسط قهقهات وتهكم البعض الآخر قبل أن تتدخل عناصر الشرطة لإيقاف رنين الهاتف ووضع صاحبه خارج القاعة كإنذار للباقي لكن لا حياة لمن تنادي. علما انه يتم إعلام الجميع قبل بدء الجلسة ودخول القاضي بإطفاء الهواتف النقالة لكن دون جدوى فأحيانا المحامون هم الذين ينسون الأمر.
ومن المضحك المبكي، تلك القضية التي شهدتها محكمة جنح وهران، بعد رنين هاتف عجوز بأغنية شرقية لمدة من الزمن وأكثر من مرة (لعله هاتف ابنته)، ولم يعرف كيفية إطفائه فقرر ضغط الزر الأخضر والتكلم مع المتصل بعد وقوفه، وسط ضحك الحضور الذي لم يستطع كبت مشاعره وسط التوتر الذي كان، علما أن العجوز لم يقدم على الفعل قصدا لكنه تصرف بحكم طبيعته، بيد أن عناصر الشرطة داخل القاعة سرعان ما أفهموهم عن العقلية داخل قاعات جلسات المحاكم.
القضاة والشرطيون لا يكلّون من توجيه الإنذارات والنصائح لعل وعسى، إذ يتصرفون بصرامة إزاء هذه (الخرجات) المتكررة يوميا، على الرغم من التوجيهات المقدَّمة قبل بداية كل جلسة فحواها إطفاء الهواتف أو وضعها على نمط (الهزاز) لعدم إعاقة سير المحاكمات، حيث توقف في أكثر من مرة محاكمة محبوس وتقطع مرافعة محامي لتوجيه الكلام للحضور بخصوص إطفاء الهواتف والوعيد بالطرد.
والجدير بالذكر، أنه عندما تنفلت الأمور من بعض الكهول والنسوة، كسماع أغنية من نمط الراي الهابط تدوي من هواتفهم النقالة، يقعون في الحرج الشديد فيقابلون الأمر بضحكات باردة ويخرجون من تلقاء أنفسهم من القاعة.