مشكلة صنع القرارات ذات الأولوية.. وبدائل المستقبل
نَبَّهَ الكاتب المستقبلي الأمريكي “ألفن توفلر” قبل 31 سنة في مؤلفه “حضارة الموجة الثالثة” إلى مشكلة بدأت تعتري في تلك الفترة الدول الصناعية لها علاقة بالقدرة على معالجة المشكلات واتخاذ القرارات المناسبة. ورأى أنها نتيجة أمر سمّاه “ميكانيكية صنع القرار” السائدة أنذاك. وقد أدت هذه الحالة إلى عجز صانعي السياسة الحكومية “أمام مسؤولية صنع القرارات ذات الأولوية المرتفعة” أو “صناعتها بأسوأ ما يكون”.
يقول: “تراهم يتسابقون كالريح لصنع آلاف القرارات الأقل قيمة والسطحية غالبا. وحتى عندما تظهر قرارات هامة، يكون قد فات الأوان عليها، ونادرا ما تُحقِّق الهدف الذي صدرت من أجله” (ص 435 ترجمة عصام الشيخ قاسم ط1). وقدّم الكاتب شهادات ميدانية تُثبت ذلك، لعل أحد أهمها قول موظف رفيع المستوى في البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي الذي يُفتَرض أنه أقوى رجل في العالم يشعر وكأنه يصرخ في سماعة الهاتف، بينما لا يوجد أحد على الطرف الآخر، أو قول أحد البرلمانيين البريطانيين أن “مجلس العموم ما هو إلا قطعة أثرية تذكارية”. ويستخلص من ذلك ما يلي:
ـ “النخبة لم تعد قادرة على التنبؤ بمُحصّلة أعمالها، إذ أن النظام السياسي الذي كانت تعمل من خلاله قد استحال عتيقا، متصدع البنيان، تسبقه الأحداث دوما” (ص436).
ـ “ازداد تشاؤم الناس ليس من نوابهم وحسب، بل وبصورة أشمل من احتمالية كونهم نوابا حقا” (ص 437).
ـ تقلصت “طقوس الثقة الانتخابية” للموجة الثانية وتقلَّص عدد مناضلي الأحزاب (شهدت سنة 1972 للمرة الأولى ومنذ قرن تساوي عدد المستقلين مع عدد أعضاء واحد من الأحزاب الكبرى) (ص 437).. و ازداد تبعا لذلك ما أسماه بالخواء السياسي.
ـ وجود “ثقب أسود” في المجتمع، أي فراغ سلطوي عبَّر عنه “أنطوني كنج” في خلاصة استبيانه عن مَن يحكم العاصمة الأمريكية بالقول “لا أحد”، “لا يوجد أحد هنا يتولى المسؤولية” (ص438).
هل ينطبق هذا علينا اليوم؟ هل هي انعكاسات وجودنا ما بين الموجة الثانية والثالثة، أم لوجودنا خارج الموجات تماما؟
لقد كانت لي قراءة في الكتاب غداة صدوره، وكان جميع المهتمين بالاستشراف يُدركون أننا نسير نحو هذا النتيجة الحتمية. واليوم مازلنا نقرأ استشرافات هامة عن ضرورة تكييف الديمقراطية والأحزاب والقيادات في كافة المستويات وبنية مؤسسات الدولة والعلاقات الاجتماعية والثقافية ومفهوم الاستقلال والسيادة ذاته… الخ، مع التطور المستقبلي في العالم، إلا أن الواقع يكاد يُبيِّن أننا مازلنا نُدير الظهر للمستقبل ونعمل عشوائيا من يوم ليوم لتصحيح الأوضاع دون جدوى…
إن مشكلتنا كانت بالأمس مع المستقبل، وهي تتفجر الآن في شكل أزمات، وهي اليوم مع المستقبل أيضا إذا ما أردنا استباق ما سيحدث. أما الوقوع في دوامة الحاضر فلن يجدي نفعا، ولن يؤدي بنا سوى إلى اجترار أخطاء الماضي والغرق فيها.
ينبغي أن نفهم لِمَ هي القرارات اليوم بهذا الشكل، ولِمَ هو العجز قائما على أكثر من مستوى، وننظر بعين فاحصة لِما وقعت فيه دول قبلنا مع مشكلة صنع القرار، ولِمَ أدى ذلك بدول أخرى إلى الوقوع في اضطرابات وأزمات وصلت إلى حد الحرب الأهلية، فقط لأنها لم تقرأ واقعها قراءة صحيحة وفق ما يجري في العالم وظنت أنها بمعزل عما يحدث به، أو أنها الوحيدة التي تُعاني من دون البقية من ذلك، فكان اليأس وكان الانهيار…
إننا نريد للأمل أن ينتصر بدل اليأس، وأن نعلم أنه أمامنا مستقبل ينبغي صناعته وفق أفضل السيناريوهات لا أسوئها…