-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من أجل ثورة صناعية

من أجل ثورة صناعية

من الأخطاء الشائعة في أكبر الثورات التنموية، التسرع والارتجالية والتحدّي، الذي لا يوفّر الظروف الملائمة للنجاح.. ولعل الأخطاء المرتكبة في الثورة الصناعية التي أعلنتها الجزائر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، هي التركيز على العدد والأرقام، دون النوعية المطلوبة. فكان للجزائر أكبر مركب للحديد في إفريقيا، وأكبر مصنع للجرارات والصناعات الميكانيكية والإلكترونية والنسيجية. فكنا نسمع عن الآلاف من العمال الوافدين من كل مناطق الوطن، على مركَّب الحجار مثلا، ولا نسمع عن الإنتاج إطلاقا، إلى أن استفاقت الجزائر على غلق غالبية هذه المصانع، التي بُنيت بنيَّات حسنة، ولكن بكثير من الأخطاء.

من النقاط الهامّة التي تم التطرق إليها في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، المناطق الصناعية المنجزة، التي هي في طور الإنجاز، وما شدّ في تدخل الرئيس هو التأكيد على النوعية قبل الكمّ، فلا معنى أن تكون لكل ولاية منطقة صناعية، والجزائر عاجزة عن تصنيع إبرة، وهو ما أنتج مناطق صناعية كبيرة أشبه بالمحتشدات أو العشوائيات الفوضوية.. ومن الطرائف المؤلمة، أن المنطقة الصناعية في قسنطينة، على سبيل المثال، تضم ثلاث حانات وسبع قاعات أفراح والكثير من المقاهي والمطاعم، ولا مصانع فيها ولا هم يحزنون.. كما أن المنطقة الصناعية في ولاية الطارف، المتربعة على سبعين هكتارا، مبنية على أخصب أرض في هذه الولاية الفلاحية، بعد أن بُترت كل النباتات والأشجار فيها، وبقيت المناطق الصناعية، عنوانا لإنتاج “البسكويت والشاورمة والحلويات والياورت”، قبل أن تلتفت الدولة إليها، وتوقف هذا النزيف الصناعي، الذي لم يقتل الصناعة فقط، وإنما طال بقية القطاعات.

كل البلدان التي نجحت في ثوراتها التنموية، جعلت الفلاحة والصناعة أساس اقتصادها. فبقدر ما تمكنت إندونيسيا من السيطرة على أسواق الأرز، في دول الخليج العربي، بقدر ما تمكنت من تصدير بواخرها إلى روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. وبقدر ما تمكنت تركيا من السيطرة على سوق البيض والدواجن في شمال أوروبا، بقدر ما اكتسحت قطع غيار آلياتها المتنوعة بما فيها العسكريةـ مختلف قارات العالم.

سيكون من الإجحاف، ألا نعترف بملامح التنمية والتنويع في الاقتصاد، التي ظهرت في الجزائر، في الفترة الأخيرة، وهي مؤشراتٌ يجب التنويه بها، وتثمينها، من أجل إعادة الثقة للجزائريين بأنفسهم، وكسر الحواجز المعنوية التي جعلتهم على مدار عقود لا يصنّعون، وإذا صنّعوا ركّبوا أو قلّدوا، وإذا ركّبوا لا يتقنون حتى عملية التركيب، وخير صورة لذلك مصانع السيارات، التي أنجزت لأجل توفير ملايير الدولارات، فالتهمت ملايير الدولارات.

حان الوقت، لأن يتعرف كل وال أو مسؤول، على المنطقة التي يشرف على قيادتها، وألا يبقى حبيس مكتبه المُكيَّف الدافئ، يجتمع بموظفين ومديرين، يتحيّنون فقط الفرص للارتقاء والاغتناء.. فقد توفرت، منذ بداية 2022، الكثير من الظروف السانحة، ما بين ارتفاع ثمن المحروقات في الأسواق العالمية، والنيات الصافية، وظهور بعض الثمار التي جعلتنا نحلم ببلوغ عشرة الملايير دولار، من الصادرات خارج المحروقات.. وهي الأرضية الخصبة لأجل الانطلاق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!