-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في ظلّ الإجراءات الجديدة

من المدرسة إلى الجامعة والتكوين المهني… تحدّي الإدماج الحقيقي لأطفال التوحد

من المدرسة إلى الجامعة والتكوين المهني… تحدّي الإدماج الحقيقي لأطفال التوحد

مع كل دخول مدرسي، كانت تتجدد معاناة عائلات أطفال التوحد، بين البحث عن مقعد بيداغوجي يستوعب خصوصية أبنائهم، والتطلع إلى مدرسة تفتح أمامهم أبواب التعلم والاندماج. وفي محاولة للاستجابة لهذه الانشغالات، حمل الدخول المدرسي 2026-2027 إجراءات جديدة لفائدة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من بينها أقسام متخصصة، وتعزيز التكفل بأطفال هذه الفئة، إلى جانب إطلاق منصة رقمية “مرافقكم” لتسهيل متابعة المسار الدراسي وتعزيز التواصل بين الأسرة والمدرسة. فهل ستأتي هذه الإجراءات بثمارها بحسب المهتمين بهذا المجال؟

وفقا للأرقام المعلنة من وزارة التضامن الوطني، فقد التحق أكثر من 40 ألف تلميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة بالموسم الدراسي الجديد، عبر أكثر من 277 مؤسسة تربوية، مع فتح 200 قسم خاص جديد، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 1745 قسما. كما استفاد أكثر من 1078 مشاركا من دورات تكوينية متخصصة.

واستُقبلت هذه التدابير بارتياح لدى كثير من العائلات، التي طالما انتظرت حلولا تخفف عن أبنائها مشقة البحث عن فضاء تعليمي ملائم. غير أن الترحيب لا يلغي تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية الإجراءات الجديدة لتلبية الاحتياجات المتزايدة، فهل تنجح في الانتقال من مجرد توفير مقاعد دراسية إلى تحقيق تعليم فعلي واندماج حقيقي لأطفال التوحد؟ أم إن التحدي الأكبر هو في ضرورة ضمان التطبيق الميداني والمتابعة المستمرة؟

رئيسة مؤسسة “إلياس” للتوحّد، فراح أسيد:
نريد مدرسة قادرة على استيعاب اختلاف أطفالنا

 ترى رئيسة مؤسسة “إلياس” للتوحّد، فراح أسيد، في تصريح لـ”الشروق”، بأن الإجراءات الأخيرة “تمثل خطوة مهمة، ونرحب بكل إجراء يهدف إلى تحسين تمدرس أطفال التوحد، ومنها فتح أقسام خاصة داخل المدارس، والعمل على تطوير البرامج البيداغوجية، إنشاء مركز وطني للتوحد”، كلها مؤشرات، بحسبها، على أن ملف التوحد أصبح يحظى باهتمام كبير من طرف الدولة، وخاصة مع تأكيد وزارة التربية في منشورها الإطار لهذه السنة، أن دورها يشمل فتح أقسام خاصة داخل المؤسسات التربوية، إلى جانب مرافقة الحالات المدمجة في الأقسام العادية.

وفي رأي أسيدْ، لا يمكن أن نقيس نجاح سياسة التمدرس بعدد الأقسام التي أنشأناها فقط، وإنما “بمدى قدرة المدرسة على استقبال الطفل التوحدي دون عزله، وتعليمه ومرافقته وإدماجه في أفضل الظروف”.

وتمنت محدثتنا عدم الوصول إلى مرحلة نفصل فيها أطفال التوحد عن باقي الأطفال، لأن طفل التوحد “هو تلميذ، مكانه الطبيعي في المدرسة”.

وهذا لا يعني، بحسب قولها، وضع الطفل في قسم عادي يواجه الصعوبات لوحده، وإنما الإدماج الحقيقي يحتاج إلى تكييف المدرسة، عبر هياكل ملائمة، أقسام مجهزة عند الحاجة، أساتذة ومختصين مكوّنين، مرافقين مؤهلين، وسائل بيداغوجية مناسبة، وتكوين مستمر للطاقم التربوي. بمعنى آخر، تضيف: “لا ينبغي أن نكيّف الطفل مع مدرسة غير مهيأة، بل علينا أن نهيئ المدرسة حتى تستجيب لاحتياجات الطفل”.

وترى رئيسة مؤسسة “إلياس”، بأن والقوانين والتنظيمات نفسها تتجه نحو فتح الأقسام الخاصة داخل الوسط المدرسي العادي، مع ضمان حقوق التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المؤسسة التعليمية. “أما المركز الوطني للتوحد، فنحن نراه فرصة مهمة جدًا إذ حدد المرسوم المنشئ للمركز بدوره في التكوين، والبحث والدراسات، وتوحيد الممارسات، والتنسيق بين القطاعات، وتقييم البرامج، وليس فقط كهيكل إضافي للتكفل”، على حد قولها.

وأكدت فرح أسيد، على أهمية الإجراءات الجديدة، لكنها “تحتاج إلى استكمالها بشروطها الهيكلية والبشرية، وبآلية واضحة تضمن أن يكون قطاع التربية الوطنية هو المسؤول عن تمدرس جميع الأطفال، مع التنسيق الضروري مع الصحة والتضامن وكل القطاعات المعنية”.

تكاليف المُرافق المدرسي… عائق 

ومن جهة أخرى، تتحدث أسيد عن مشكلة تواجه أولياء أطفال التوحد، متعلقة بتكاليف المرافق المدرسي، بحيث لا ينبغي أن يكون حق الطفل في التعليم مرتبطًا بالقدرة المالية لوالديه. والإصلاح هو “أن تعمل المنظومة التربوية على توفير هذا الدعم للطفل في إطار قانوني ومؤسساتي يحفظ حقوق الطفل والأسرة والمرافق معًا”.

وذكّرت محدثتنا، بتجربة مهمة قامت بها وزارة التربية الوطنية سنة 2023، بفتح 400 منصب لمرافقي الحياة المدرسية، لمرافقة الأطفال ذوي التوحد ويعملون بعقود مؤقتة لمدة سنة دراسية قابلة للتجديد. “وهي خطوة مهمة جدًا، وضعت المرافقة المدرسية داخل المدرسة وتحت مسؤولية قطاع التربية، بدل أن تبقى الأسرة وحدها مطالبة بالبحث عن مرافق وتمويله”.

لتتساءل محدثتنا عن سبب عدم تجديد عقود هؤلاء المرافقين، وإمكانية فتح توظيف جديد لتغطية الاحتياجات المتزايدة؟

وكشفت فرح أسيد، أن كثيرا من المرافقات المدرسيات، بتن يمتلكن تجربة ميدانية حقيقية بعد تكوينهن، والأهم أن عددًا منهن كنّ أمهات لأطفال من طيف التوحد. وهو ما جعلها تدعو إلى ترسيم المرافقين، تقديرا لجهوداتهم، مع فتح مناصب مالية ووضع تكوين متخصص، وإطار قانوني واضح، ومسار مهني يحفظ حقوق المرافق، ما يعود إيجابا على الأسر.

التعليم الجامعي… ضرورة 

وتأسفت محدثتنا لوجود ما اعتبرته “عوائق” لمواصلة أشخاص من ذوي التوحد دراستهم إلى الجامعة، رغم نجاحهم فيها، لأن التوحد، بحسبها “لا يعني عدم القدرة على التعلم، ولا يعني أن سقف طموح الطفل يجب أن يتوقف عند نهاية المرحلة الثانوية”.

ودعت رئيسة مؤسسة “إلياس”، إلى تهيئة المؤسسة التعليمية لاستقبال الطالب من طيف التوحد عندما يصل إلى الجامعة، مع فتح نقاش كبير حول تمدرس الطفل في المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وتمكينه مهنيا.

وأضافت: “ينص ميثاق أخلاقيات وآداب المهنة لوزارة التعليم العالي على حق الطالب في التعليم والتأطير بجودة وبطرق بيداغوجية ملائمة، وعدم التمييز بسبب المرض أو الإعاقة، إذن المبدأ موجود، ولكن التطبيق يحتاج إلى آليات واضحة، لوجود عوائق كثيرة أمام الطالب من طيف التوحد في المؤسسة الجامعية واختيار التخصص المناسب”.

وقالت: “نحن في مؤسسة إلياس للتوحد، نرى أن هذه الحلقة التي هي الانتقال من التمدرس إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى التكوين والعمل، ومن مرحلة الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلالية المدعومة عندما تكون ممكنة، مهمة جدا، مؤكدة، وجود فرصة حقيقية اليوم لبناء هذه الاستمرارية، خصوصًا مع تعزيز التنسيق بين قطاعي التربية والتعليم العالي في 2026.

وبخصوص مقترحات المؤسسة لتحسين ظروف أطفال التوحد في الجزائر، تعتقد محدثتنا أن الأمر يحتاج رؤية واضحة ودائمة، تبدأ من المدرسة وتمتد إلى الجامعة والتكوين والعمل.

وأول مقترح، هو وضع الطفل تحت مسؤولية قطاع التربية الوطنية، مع توفير الشروط الهيكلية والبشرية اللازمة، مع تكييف البيئة المدرسية والسماح بمرافقتهم في أثناء الامتحانات.

وأكدت الحاجة إلى أساتذة مكوّنين في التعليم المتخصص، ومرافقي حياة مدرسية ومساعدين تربويين، وفق منظومة قانونية ومهنية واضحة بتكوين عملي مستمر، مع التركيز والتقييم الفردي لوضعية كل طفل من ذوي التوحد.

كما شددت على دور الجمعيات والمراكز المتخصصة في التكفل، “لا أن تتحول إلى بديل عن المدرسة العمومية أو إلى مكان يُحال إليه الطفل لمجرد أنه من طيف التوحد، على حد قولها. مع ضرورة التنسيق بين مختلف القطاعات، من مؤسسات التربية إلى الصحة والتضامن.

وختمت فرح أسيد، قائلة بأننا لا نبحث عن مدرسة خاصة بأطفال التوحد، وإنما “نريد مدرسة جزائرية قادرة على استيعاب والتكيف مع اختلاف أطفالنا جميعًا”.

المختصة الأرطوفونية، حنون دليلة:
نجاح الأقسام الخاصة مرهون بالتكوين والتنسيق بين الأسرة والمعالج

وترى المختصة الأرطوفونية، حنون دليلة، بأن كل طفل يستحق فرصة للتعلم والاندماج داخل المدرسة، وأن إحداث أقسام خاصة داخل المدارس العادية لفائدة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، “خطوة إيجابية ومهمة لتعزيز حق هذه الفئة في التربية والتعليم، وتمكينها من فرص أفضل للاندماج داخل المجتمع”، مؤكدة أن هذا الإجراء أصبح ضرورة ملحة، في ظل الحيرة التي يعيشها الأولياء مع بداية كل سنة دراسية، بسبب صعوبة العثور على مؤسسات تستقبل أبناءهم وتوفر لهم التكفل المناسب.

وأوضحت المختصة عبر “الشروق”، أن بداية كل موسم دراسي تتحول بالنسبة إلى العديد من العائلات إلى مصدر قلق. وشددت على أن نجاح هذه الخطوة لا ينبغي أن يقتصر على مجرد وجود الطفل داخل المدرسة، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى ضمان تعلمه ومشاركته وتواصله مع محيطه المدرسي، وشعوره بأنه جزء من الجماعة، بما يعزز ثقته بنفسه ويساعده على تطوير قدراته وتحقيق استقلاليته تدريجيا.

وأكدت المختصة، أن تجسيد هذه المبادرة على أرض الواقع يتطلب تخطيطا دقيقا، وتوفير بيئة تربوية ملائمة، إلى جانب إخضاع الأساتذة لتكوين متخصص وعالي المستوى ومتواصل، يسمح لهم بفهم خصائص هذه الفئة، والتعرف على الصعوبات التي تواجهها، واختيار أساليب تعليم وتواصل تتناسب مع قدرات كل طفل واحتياجاته.

وأضافت أن اختلاف الحالات يفرض اعتماد مقاربات تربوية فردية، بعيدا عن التعامل مع جميع الأطفال بالطريقة نفسها، مشيرة إلى أن تقليص عدد التلاميذ داخل الأقسام يعد عاملا أساسيا لضمان المتابعة الجيدة، وتوفير الاهتمام اللازم لكل طفل، بما يساعد على تحقيق الأهداف التعليمية والتربوية المرجوة.

كما أبرزت أهمية التنسيق المستمر بين المدرسة والأسرة والفريق العلاجي المتخصص، باعتباره عنصرا محوريا في متابعة تطور الطفل وتوحيد أساليب التكفل به، بما يضمن استمرارية الجهود داخل المؤسسة التعليمية وخارجها.

وختمت المختصة بالتأكيد على أن النجاح الحقيقي لهذه الأقسام يقاس بالنتائج المحققة على أرض الواقع، وبمدى قدرتها على توفير مدرسة آمنة ومهيأة تستجيب للاحتياجات المختلفة للأطفال، قائلة إن “الاختلاف لا يمنع النجاح، فكل طفل يستحق فرصة ليتعلم ويندمج”.

رئيسة الجمعية الوطنية “النور” للتوحد، قميدة منال:
 الاحتياجات ما زالت أكبر… 

وبدورها، ثمنت رئيسة الجمعية الوطنية “النور” للتوحد، قميدة منال، الإجراءات الجديدة لصالح أطفال التوحد، والتي تبقى، بحسبها، بحاجة إلى “تدعيم أكبر من حيث عدد الأقسام المتخصصة، التأطير، التكوين المستمر للطاقم، والتنسيق بين الأسرة، المدرسة والمختصين.

وكشفت لـ ” الشروق”، أنه من خلال زياراتهم ومتابعتهم للأقسام الخاصة والمركز الوطني للتوحد، لاحظوا وجود جهود معتبرة، لكن “الاحتياجات مازالت أكبر، خاصة في مجال التكفل المبكر والإدماج المدرسي والاجتماعي” على حد قولها.

ودعت محدثتنا، لأن تشمل نشاطات ومهام المؤسسات المتكفلة بأطفال التوحد، التربية والتأهيل والتكفل النفسي والأرطفوني والاجتماعي، مع ضرورة توسيعها لتشمل التكوين المهني والإدماج في الحياة العملية لفئة الشباب.

كما رأت منال قميدة، ضرورة زيادة عدد الأقسام والمراكز المتخصصة، وتوفير مختصين مؤهلين، دعم الجمعيات الناشطة في الميدان، ووضع إحصائيات وطنية دقيقة تساعد على بناء سياسة واضحة وشاملة للتكفل بالأشخاص ذوي التوحد.

الخبير التربوي، عومر بن عودة:
التحدّي في الانتقال من التكفل العددي إلى النوعي

اعتبر المختص التربوي عومر بن عودة، أن التكفل بأطفال التوحد يمثل “خطوة مهمة نحو توسيع فرص التمدرس والإدماج”، ومبرزا أهمية استحداث المركز الوطني للتوحد بالجزائر العاصمة، وأربعة مراكز متخصصة بوهران وبشار وتبسة وتيبازة، إلى جانب إعداد دليل للتكفل بهذه الفئة، يتضمن إجراءات تخص الإدماج المدرسي والدعم والتكوين والتجهيزات والمتابعة، فضلا عن العمل على تطوير البرامج التربوية والبيداغوجية بما يتناسب مع خصوصية الأطفال.

وشدد بن عودة على أن الرهان الحقيقي، يتمثل في الانتقال من “التكفل العددي” إلى “التكفل النوعي”، من خلال إعداد ملف تربوي فردي لكل طفل، يحدد قدراته المعرفية ومستوى تواصله ونقاط قوته والصعوبات التي يواجهها، بما يسمح باختيار أساليب تعليمية ملائمة.

وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يستدعي تكوينا متخصصا ومستمرّا للأساتذة، وتوفير مرافقين للحالات التي تحتاج إلى دعم فردي، مع تهيئة أقسام هادئة ومنظمة بصريا، والاستعانة بالصور والبطاقات والجداول البصرية والوسائل الرقمية لتسهيل التعلم والتواصل.

كما دعا إلى إشراك الأولياء في متابعة المسار الدراسي لأبنائهم، وتعزيز التنسيق بين قطاعات التربية والتضامن والصحة، باعتبار أن نجاح التكفل مسؤولية مشتركة.

وأكد المختص أن الإدماج الحقيقي لا يتحقق بمجرد تسجيل الطفل في المدرسة، بل بتمكينه من التعلم والتفاعل واكتساب الاستقلالية والشعور بالانتماء. لذلك، دعا إلى تقييم النتائج وفق تطور مهارات الطفل ومشاركته واستقراره المدرسي، لا وفق عدد الأقسام والمقاعد المتوفرة فقط.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!