“من مأمنه يؤتى الحذر”
تابعت مجريات محاكمة شعيب ولطاش، المتهم باغتيال علي تونسي، المدير العام السابق للأمن الوطني، وقد كان الرجلان “أخوين” قبل أن ينزغ الشيطان بينهما، وعلمت الحكم الذي أصدر ضد المتهم وهو الإعدام.
أنا العبد الضعيف مع حكم الإعدام وتنفيذه بأسرع ما يكون في كل من ارتكب جريمة إزهاق روح بشرية بريئة، لأن قتل نفس بغير حق فكأنما هو قتل للناس جميعا، كما جاء في حكم الله – عز وجل- وأدعو باسم المؤمنين بهذا الحكم الإلهي جميع الدول والجمعيات التي تؤمن به إلى تأسيس تكتل قوي ضد الدول والجمعيات التي تدعو إلى إلغاء الإعدام، إن توفرت أشراط الجريمة…
لقد أعادني صدور حكم الإعدام في حق المتهم باغتيال علي تونسي إلى يوم الاغتيال نفسه، حيث كنت موجودا في إحدى الولايات استعدادا لإلقاء محاضرة بمناسبة المولد النبوي الشريف، ولما حضر الوالي للإشراف على ذلك الاحتفال، همس في أذني – وكنت أعرفه من قبل- أن علي تونسي قتل في مكتبه، ومن أحد أصدقائه – كما قيل.
أحسست كأن الوالي يريد أن يعرف رأيي، فارتشفت رشفة من كأس الشاي، واعتدلت في جلستي وقلت: بالرغم من الجانب الإنساني الأليم في موت أي إنسان، بصرف النظر عن قيمته ومكانته: فإنني بالنسبة إلى اغتيال علي تونسي ازددت إيمانا..
كان الوالي متكئا فاعتدل في جلسته، وحدّق فيّ نظره، وقال: ماذا تعني؟
فقلت: عندما أخبرتني بهذا الخبر المؤلم وردت مباشرة على ذهني آية كريمة زادتني إيمانا مع إيماني. لم ينتظر الوالي إكمال حديثي، فقال: ما هي هذه الآية: ولم يكن هذا الوالي غريبا عن القرآن، وعن الثقافة الإسلامية..
فقلت: هذه الآية الكريمة هي قوله تعالى: “أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيّدة”.
وقلت مما قلت: لعل مكتب علي تونسي، المكلف بتوفير الأمن للناس، هو أكثر الأماكن تحصينا و”أمنا”، ولو مات علي تونسي أو قتل في أي مكان آخر لما كان في ذلك أدنى استغراب، ولكن الغرابة، كل الغرابة، أن يقتل علي تونسي في ذلك المكان، ومن أحد “أصدقائه” وأقرب المقربين إليه.. وقديما قال العرب في أمثالهم الحكيمة: “من مأمنه يؤتى الحذر”، كما قالوا: “القتل أنفى للقتل”.. وفوق هذا كله، ومن قبله ومن بعده، قال أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين: “ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب”، والأهم من ذلك كله أن يحرص المرء على تطبيق قوله تعالى: “.. فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون”، مادام “كل بني آدم يوما على آلة حدباء محمول”، كما قال الشاعر.