موسم الهجرة إلى قطر
الذين يلومون لاعبي المنتخب الوطني الجزائري، الذين دخلوا الدوحة أفواجا، بعد أن رقّّتهم المشاركة في كأس العالم بجنوب إفريقيا إلى أعلى الرتب، ومنحتهم النياشين، لو سنحت لهم الفرصة للعمل في المجالات التي ينتمون إليها في قطر لما ترددوا، وكان الأجدر قراءة هذا الواقع الجديد بنظرة أخرى، حتى ننتقل إلى معالجة الداء، بدلا من البكاء على ضفاف أنهار الجراح.
-
عندما شاركت الجزائر في كأس العالم، وعمرها دون العشرين عاما، لم تكن قطر كرويا أكثر من متفرج على المشهد العالمي، وعندما بنت الجزائر مركّب الخامس من جويلية وعمرها دون العشر سنوات، لم تكن قطر هيكليا أكثر من أحلام في مخيلة أهلها، وعندما نظمت الجزائر ألعاب البحر الأبيض المتوسط والألعاب الإفريقية، لم تكن قطر تحلم بتنظيم كأس الخليج العربي، فما بالك بكأس العالم، والآن صار لاعب من وزن مراد مغني، الحاصل على كأس العالم مع منتخب فرنسا، ولاعب مثل زياني، الذي لعب لمارسيليا ولفورفسبوغ، وقبلهما بلحاج الذي لعب لليون وفرق إنجليزية، يبتهجون بسفريتهم الاحترافية، التي توقفت في المحطة القطرية، رغم علمهم بأن أبواب المشاركة مرة أخرى في كأس العالم ما زالت مفتوحة.
-
ولأن كرة القدم هي البارومتر الذي بإمكانه قياس درجة حرارة أدائنا في جميع المجالات، فإن هجرة الكفاءات العلمية إلى قطر، وإلى غيرها من البلدان الأوربية والخليجية، هي التي من المفروض أن تحزّ في النفس، لأن لاعب الكرة بإمكانه أن يعطي للمنتخب الجزائري في كل مناسبة، بينما يُداوي الطبيب غيرنا ونحن مرضى، ويُهندس المعماري لغيرنا وبنياننا مهدم، ويخطط الاقتصادي لغيرنا وحياتنا فوضى في كل مجالاتها..
-
على مدار سنوات ونحن نبحث عن أعذار مالية ومعنوية وتاريخية، ونحن نشاهد كيف يحترف اللاعبون والمدربون الجزائريون في تونس شرقا، حيث لا بترول ولا غاز، ولا يحترف التونسيون في بطولتنا، حيث البترول والغاز، ونشاهد كيف يحترف اللاعبون والمدربون الجزائريون في المغرب، حيث لا بترول ولا غاز، ولا يحترف المغاربة في بطولتنا حيث البترول والغاز.. والآن تعددت الأجناس والقارات، وتغيرت كل الأمم إلى الأحسن، وما زلنا نلتمس أنفسنا، وسط هذا الحراك العالمي الذي مسّ الجميع من دون استثناء، من الذين لا تزيد مساحتهم عن مساحة ملاعب الجزائر، والذين لا يزيد عدد السكان عندهم عن عدد الوافدين على ملعب الخامس من جويلية في المباريات الكبرى، أما عن الخيرات والتاريخ والجغرافيا، فتلك حكاية صارت تُحرجنا أكثر مما تُشعرنا بالفخر..
-
سمّها مقبرة النجوم أو بنك ورفاهية النجوم.. سمّها المحطة المؤقتة أو دار العجزة الكروية.. سمها النسخة الأوروبية المزورة، أو المكان الخيالي أو سمها ما شئت.. ففي عالم الدول والحضارات، ما عاد للأسماء والأقوال معنى، فالأفعال وحدها من قالت إن قطر لها فضائيات لا تقدم الأخبار بل تصنعها، وقالت إنها ستحتضن كأس العالم لكرة القدم، الذي مازال حلما لكثير من البلدان الكبرى، وقالت إن خيرة أبناء الجزائر في الكرة وفي مختلف الرياضات وفي مختلف العلوم، يحجون إلى هناك.. ولكنه حج من دون عودة.