موسوعة الكذب
عدت قبل يومين من ندوة في إسطنبول بشأن مشروع عمل ضخم لوضع آليات لتحيق “موسوعة الإسلام”، تنفرد بها كوكبة من العلماء والمختصين في كل المجلات والحقول المعرفية، تدار في شكل ورشات تشرف عليها منظمة أراك للتنمية البشرية. مشروع وحلم كبير لمعرفة وفهم الإسلام النقي.
فوجئت بعدد كبير من المعاجم والمجاميع والموسوعات التي بدأت تتسع في كل رقعة من العالم العربي والإسلامي، وحز في نفسي أن لا يوجد أي مشروع من هذا النوع عندنا في الجزائر.. لا في الآفاق ولا في الآذان ولا في الأحداق، فيما أزعم.. وقيل من راق! الإخوة في تركيا أنجزوا عملا في هذا السياق، في تونس،في المغرب وفي الكويت، في الأردن، في إيران، في الهند، في مصر.. إلا في الجزائر!
السبب فيما يبدو هو ترتيب الأولويات عندنا كسلطة وكمثقفين: كل شيء عندنا صار يمثل أولويات بسبب اختلاط الأوراق السياسية مع الرياضة، والبطاطا مع الكتاب، والسكن مع الانتخاب، والتربية مع النقاب..! أين موسوعة كُتابنا، علمائنا، مؤرخينا، وفقهائنا، وفلاسفتنا؟..لقد رُتبوا في ذيل قائمة الأولويات حتى صرنا لا نعرف من نحكّم: الرأس أم الذيل! تذيلت الأمور في ترؤس المشاريع، و”تشرّعت” الأبواب في تذييل الرؤوس! حتى أننا لم نجد في الحملة الانتخابية أحدا يتحدث عن المشروع الحضاري للجزائر بعد مائة سنة!، إلا “ابن عباس” جبهة التحرير، الذي “تنبأ” ببقاء حزبه في السلطة مدة بقاء الاستعمار..بلا تحرير! حتى أن أحدهم تساءل عما إذا كان ولد عباس المجاهد، يمجد الاستعمار في رغبة البقاء أطول مدة، مع أنه يعرف أن ثلاثة سيعذبون بحدة: زعيم قاد حرب ردة، سلطان سد المجال سدّة، ومسؤول بقي في الحكم أطول مدة!
قليلة هي المشاريع التنموية الحضارية في برامجنا الانتخابية، والخطاب صار موجها لأسفل لا لأعلى، أي أنن نفكر بعقلة الضيقة لا بعقلية الموسوعة وسع الله علينا وعلى الجميع من اتساق الضيق.
وجدت نفسي إزاء هذه المعضلة ناطقا باسم منطوق، أقدم برنامجي “الانتحابي”، أبكي على الأطلال بكل “رباطة جحش”: إن موسوعة الجزائر التي نريد أن “نُحكّكها”، هي “موسوعة الأعلام الوطنية” لرجال المال و”العمايل” وأصحاب الشكارة البررة واللصوص الشرفاء والنُّهّاب الكرماء.. أكرمكم الله! هؤلاء الأعلام.. من الواصلين الجدد.. لا القدماء، هم من يجب أن ندين لها بالدين.. والديون..! والعلم.. والفنون! والمالُ والبنان والبنون! فماذا فعل أصحاب الدواة والمقلمة، وفقهاء الدين وأصحاب “المَعْلمَة”؟ وإخوان البر والمحسنة أمام رفقاء البيرّة و”المَخْننة”، والفنادق و..المِنجنة؟!
أيها الجمهور الواسع الضِّيق، الأسياد أنتم والرقيق، والمخلوطون مع الزيت والدقيق، من هذا الفريق الجديد وذلك المتمسك بالعروة غير الموثوق فيه وغير الوثيق! إننا نحن من نريكم إلا ما نرى ولا نهديكم لسبيل الرشاد! وسعوا على أنفسكم بضيق النفَس، وكثيرة العسسْ، ولا تصوروا لأحد من يمين “الأففس” ولا من يسار حمَس، وإلا والله ليأكلن جلدكم البرَص وليصيبنّ أعينكم الخرَصْ! رشحتمونا بلا أمهاتكم، وستنتخبوننا بلا رغبتكم! فنحن أولى منكم بأنفسكم، لأننا نحن من ولدناكم ونحن من نتزوجكم ونحن كل شيء لديكم في دنياكم!
عندما أكملت الخطاب الذي سماه البعض، “موسوعة الكذب “، استدرت إلى من خلفي لأسألهم إن كنت قد وُفّقت في قراءة الخطاب؟، فلم أجد أحدا سوى واحدا قال لي: لقد قرأت خطاب “موسوعة الأرباب..” آآآآمحمد!
وأفيق وأنا أصرخ في وجه زوجتي المسكينة: ” روحي وسعيني راكي ضيّقتِ علي في هذه الضيق الموسوعي!