نحو استراتيجية إفريقية لتعزيز سلامة الدواء
أصبحت ظاهرة الأدوية المزيفة والمتدنية الجودة أكثر من قضية مرتبطة بالرقابة على المنتجات الصيدلانية، إذ تحولت إلى تحدّ يمس مباشرة سلامة المرضى وأمن المنظومات الصحية، وذلك في ظل تنامي شبكات الاتجار غير المشروع وتعدد قنوات وصول هذه الأدوية إلى المستهلكين.
هذا التحدي كان محور مداخلة البروفيسور أنطوان سيرج أماري من جامعة أبيدجان، خلال الجلسة الأولى من المؤتمر الدولي الثاني للصيادلة، المنظم الاثنين، بفندق “الشيراتون”، حيث عرض جملة من الآليات العملية التي يمكن اعتمادها للحد من انتشار الأدوية غير المطابقة والمزيفة، مركزا على ثلاث حلقات رئيسية: الوقاية، والكشف، ثم الاستجابة.
رئيس مجلس أخلاقيات مهنة الصيادلة: مكافحة الأدوية المزيفة معركة تتعلق بسلامة المريض
وتكتسب المسألة أهمية خاصة في منطقة غرب إفريقيا، حيث أشار المتحدث إلى أن ساحل العاج تمثل إحدى النقاط المهمة في مسارات تجارة الأدوية غير المشروعة.
ووفق المعطيات التي عُرضت خلال المؤتمر، فقد تم ضبط نحو 38 طنا من الأدوية غير القانونية خلال فترة قصيرة، وهو رقم يعكس، بحسب الطرح المقدم، حجم التحديات التي تواجه السلطات والهيئات المكلفة بحماية سوق الدواء.
التكنولوجيا في مواجهة الدواء المزيف
وفي مواجهة هذه الظاهرة، دعا البروفيسور أماري إلى تجاوز الأساليب التقليدية في الرقابة، والاعتماد بصورة أكبر على الأدوات التكنولوجية الحديثة التي تتيح معرفة مصدر الدواء وتتبع مساره داخل سلسلة الإمداد.
ومن بين الحلول المقترحة في المؤتمر، برزت أنظمة التتبع والتحقق الرقمي التي تسمح للمستخدم بالتأكد من أصالة الدواء، بما في ذلك عبر الرسائل النصية القصيرة، إلى جانب اعتماد الترقيم التسلسلي للمستحضرات الصيدلانية.
كما طرحت تقنية Blockchain كإحدى الأدوات التي يمكن أن تعزز شفافية سلسلة التوريد، من خلال تسجيل مراحل انتقال الدواء وإتاحة إمكانية تتبع مساره من مصدره إلى غاية وصوله إلى نقاط التوزيع.
غير أن التكنولوجيا، وفق المقاربة المقدمة، لا يمكن أن تؤدي دورها بمعزل عن البنية الرقابية، إذ شدد المتحدث على ضرورة تطوير مختبرات مراقبة جودة الأدوية، وتزويدها بالإمكانات التقنية والموارد البشرية القادرة على التعرف على المنتجات غير المطابقة وكشف المستحضرات المزيفة.
الرقابة لا تتوقف عند حدود الصيدليات
وتشمل مواجهة، ظاهرة الأدوية المزيفة والمتدنية الجودة في الجزائر وفي القارة الإفريقية ككل، وحسب البروفسور نور الدين ميتيوي، رئيس المجلس الوطني لأخلاقيات مهنة الصيادلة، إلى تعزيز أنظمة ضمان جودة الأدوية والارتقاء بها إلى مستويات تتماشى مع المعايير الدولية، بما في ذلك متطلبات الجودة وشهادات المطابقة ذات الصلة.
وفي الجانب الميداني، أكد البروفسور ميتيوي، أن الحاجة تبرز هنا، بتوسيع نطاق الرقابة ليشمل مختلف نقاط دخول الدواء وتداوله، خصوصا الموانئ والأسواق غير الرسمية، باعتبارها من المسارات التي يمكن أن تستغلها شبكات الاتجار غير المشروع.
كما تتطلب المواجهة، بحسب المقاربة التي قدمها المتحدث، ضرورة الانتقال من مجرد ضبط الشحنات غير القانونية إلى تفكيك الشبكات التي تقف وراء عمليات التهريب والتوزيع، بما يجعل العمل الرقابي جزءا من جهد أوسع لملاحقة مصادر هذه التجارة.
التجارة الإلكترونية… تحدّ آخر
ولم تعد الأسواق التقليدية وحدها مصدر القلق، إذ أصبحت شبكة الإنترنت قناة إضافية لتسويق الأدوية خارج الأطر القانونية، فقد أكد البروفيسور نور الدين ميتيوي، أن أهمية تشديد الرقابة على بيع وتوزيع الأدوية عبر الإنترنت، تبرز أهميتها في مثل هذا التحدي، قصد مواجهة المنصات والقنوات غير القانونية التي قد تتيح للمستهلك الحصول على منتجات مجهولة المصدر أو غير خاضعة للرقابة الصحية.
ويفرض هذا التطور، في المقابل، بحسبه، تعاونا أكبر بين السلطات الصحية والأجهزة الأمنية والجهات التنظيمية، إلى جانب مختلف الفاعلين في القطاع الصيدلاني، بهدف تبادل المعلومات والتدخل بصورة أسرع عند رصد منتجات أو شبكات مشبوهة.
وقال إن هذه المقاربة تقود في النهاية إلى اعتبار مكافحة الأدوية المزيفة جزءا من معركة أوسع تتعلق بسلامة المريض وأمن الدواء.
فالرهان، حسب رئيس المجلس الوطني لأخلاقيات مهنة الصيادلة، لا يقتصر على منع دخول منتج غير قانوني إلى السوق، وإنما يمتد إلى ضمان أن يظل الدواء، في مختلف مراحل إنتاجه وتخزينه ونقله وتوزيعه، خاضعاً لمتطلبات الجودة والسلامة.
وبالنسبة إلى الدول الإفريقية التي تواجه هذه الظاهرة، فإن بناء منظومة فعالة لمراقبة الدواء، يبدو، بحسب ما أكده المشاركون، مرتبطا بقدرة القارة على الجمع بين التقنيات الحديثة، والمختبرات المتخصصة، والرقابة الميدانية، والتشريعات، وإنفاذ القانون والتعاون المؤسساتي.
وبذلك، تتحول مكافحة الدواء المزيف، بحسبهم، من عمليات متفرقة لمصادرة المنتجات غير القانونية إلى إستراتيجية متكاملة لحماية سلسلة الإمداد الدوائي وتعزيز السيادة الدوائية وضمان حق المواطن في الحصول على دواء آمن وفعال وذي جودة.