نحو ترميم العلاقة مع الجزائر
الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي للجزائر، تأتي بعد مخاض عسير في العلاقات الثنائية بين البلدين والذي تمخض عن التحول نحو إصلاح شامل للمنظومة السياسية والاقتصادية عقب الحراك الوطني الذي أفضى إلى استعادة استقلال القرار السياسي السيادي وقهر عصابات الفساد ومنظومات المال السياسي الفاسد، وبداية بناء جزائر جديدة على أسس جديدة، مشروع لن يكتمل اليوم ولا غدا، لكنه قطار على السكة وعلى مسار صحيح إذا استمرينا على نفس النهج.
تأتي زيارة الرئيس الفرنسي للجزائر إذن ضمن هذا المسار بعد الخلل وشبه الوأد الاقتصادي والسياسي بين البلدين بسبب موقف فرنسا من التحولات الجديدة في الجزائر أولا وبسبب موقفها من الذاكرة والتاريخ، موقف لا يزال يراوح مكانه رغم الانفراج النسبي في هذا المجال منذ استعادة الجزائر بعض زمام المقاومة الشعبية. زيارة قد تغيِّر قليلا أو كثيرا في مجرى العلاقات الثنائية، لاسيما العلاقات الاقتصادية، إذ تضررت فرنسا من جراء سياسة تدخلها في الشؤون الداخلية الجزائرية سابقا، وبدأت تفهم أنه “من أراد أن يستفرد بالكعكة كلها، ضيَّعها كلها”. وهذا يعني أن مسألة الندية والسيادية التي تتحدث عنها الدوائر السياسية في الجزائر، ضمن فلسفة التنمية الجديدة في الجزائر الجديدة، هي السبيل الوحيد لفرنسا لاستعادة حصتها من الكعكة الاقتصادية ولا تتوقع أن يُترك لها الحبل على الغارب لتستفرد بالبلد كله عبر أذرعها الاخطبوطية في المال والاقتصاد والثقافة واللغة والفن.. والأحزاب والسياسة.
لقد مُنيت فرنسا بخسارة كبيرة منذ 3 سنوات فقط، وتزحزحت مكانتها في مجال المعاملات والتجارة والاستثمارات إلى مراكز متخلّفة خلف الصين والأتراك والإيطاليين، كما أن فرنسا تخسر الكثير من خلال خسارتها للجزائر كبوّابة كبرى نحو إفريقيا، تخسر نفوذها الاستراتيجي في جنوب الصحراء، خاصة في هذه الظروف المتَّسمة بالأزمات المتعددة على مستوى الطاقة العالمية والجفاف وندرة المحاصيل بسبب الحروب في كل مكان والمجاعات مما يمهِّد الطريق نحو هجرات كبرى مدمرة لما تبقى من اقتصاد أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص، لهذا تسعى إلى الاستفادة من التمويل بالغاز عبر خط نيجيريا الجزائر وجزء مما تبقى عن طريق إيطاليا واسبانيا.
كثير من الملفات ستتطرق إليها المحادثات الجزائرية الفرنسية، بما فيها مسألة الذاكرة وضرورة إحراز تقدُّم أكبر في هذا المجال، لاسيما وأن ماكرون لم يعد يخشى الكثير على مستقبله السياسي الشخصي وفي ظل حصاره داخل البرلمان الفرنسي من طرف اليمين واليسار، مما يجعل الجزائر بوابة انفتاح عليه وعلى حزبه مستقبلا إن هو عرف كيف يستثمر في المرحلة وفي علاقاته مع الرئيس عبد المجيد تبون التي تتسم بالبراغماتية على أسُس الندية والمنفعة والمصلحة الثنائية المشاركة ضمن معادلة رابح رابح.
مسألة الأمن ومكافحة الإرهاب والوضع في مالي ودول الجوار الإفريقي والصحراء الغربية لن يكونا بمعزل عن المحادثات، فهما تشكلان عقبات كأداة في وجه تنمية المنطقة وربطها بالشبكة العالمية للتجارة والاستثمارات، وهذا ليس في مصلحة فرنسا ولا غير فرنسا، وعلى الجميع أن يدركوا أنَّ مسألة الاستقرار عن طريق تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية وفقا للشرعية الأممية هو الحل الوحيد لحل ما تبقى من خلافات بينية بين البلدين من جهة وبين بلدان دول المنطقة ودول الضفة الأخرى.
زيارة قد تحلّ بعض نقاط الخلاف والتوجّس والتأزّم في العلاقات بين البلدين، وتعيد إلى الواجهة مرة أخرى ضرورة تسهيل تنقل البضائع والأشخاص بين البلدين بعيدا عن الابتزاز السياسي والضغط وعقلية الفوقية والدونية.