-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو تصالح مع المساحات الخضراء

عمار يزلي
  • 1335
  • 0
نحو تصالح مع المساحات الخضراء

المساحات الخضراء عندنا، تدخل أروقة الحكومة ومجلس الوزراء أيضا، وهذا قد يكون لأول مرة، على الأقل من حيث الإعلان عنها وبرمجتها كنقطة في جدول اجتماع مجلس الوزراء. أهمية ذلك، تكمن في التحوُّلات التي شهدتها الجزائر قبل اليوم وما تشهده حاضرا ومستقبلا خاصة.

فوضى الاستثمارات سابقا، غالبا ما كانت تقام على أسس غير مدروسة وحتى غير قانونية: أراض زراعية غزاها الإسمنت المسلح، مساحات خضراء داستها الأبنية من فيلات وبنايات وفنادق ومؤسسات، حتى إن مدننا باتت تعاني الاختناق، ليس من جراء التضخم السكاني والمروري فقط، بل من حيث الاختناق البيئي: مدن مصابة بالربو والحساسية وضيق التنفس مع ارتفاع التلوّث الذي تُحدثه وسائل النقل بالدرجة الأولى.

الاهتمام اليوم بالمساحات الخضراء، من حيث إعادة الحياة لها وتنظيمها، ينطلق في السياسة التنموية الجديدة ومن استراتيجية تنمية مستدامة نظيفة وعقلانية. وهذا ما أشار إليه رئيس الجمهورية بشأن مدينة بوغزول والمدن والأقطاب العمرانية الجديدة التي ينبغي أن نولي لها دراساتٍ أكبر قبل الإعمار والبناء، فالدراسات العمرانية المبنية على قواعد ومعايير ومقاييس تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المتغيرات من طبيعة السكان ونمط النشاط الاقتصادي، والحفاظ على البيئة والتوازن الطبيعي بين عدد الساكنة والحاجيات الضرورية لهم في كل المجالات، مع ربط هذه التجمعات السكانية بشبكة قنوات الصرف الصحي الثنائي: المياه المستعمَلة مع مياه الأمطار، ومياه الصرف، وجمعها وتخزينها وإعادة تدويرها بما يسمح للإدارة المدنية بإعادة استعمالها من جديد، تماما كما هو معمولٌ به في المدن الأوروبية الكبرى.

المساحات الخضراء والعمران، من القطاعات التي لم نولِها الاهتمام الأكبر، بل إننا عملنا لسنوات على التخلص من كل مظاهر الاخضرار والطبيعة وزفّتنا الشوارع والطرقات وبلّطنا الأرصفة بطرق تتطلب إعادة الحفر كل شهر أحيانا. لم يكن لدينا مخطط عمراني مصاغ ليحترم حتى ولو تفانت مكاتب الدراسات في إنجازها، إنما كانت تبقى حبرا على ورق عند الإنجاز وغالبا ما كانت تنتهك تلك التصاميم مع انطلاق البناء.

مساحاتنا الخضراء في المدن، لا تعاني فقط تضاؤل مساحاتها وهجمة الأسمنت المسلح عليها، بل وتعاني الإهمال الملازم لها. قد يكون ذلك بسبب ضعف ميزانية البلديات المخصصة لذلك، وهذا جزءٌ من المشكل، لكن الأسباب متعددة في ذلك، وهذا ما دفع برئيس الجمهورية إلى التركيز على هذه الجزء القطاعي من عملية التنمية والعمران في المدن التي تشهد توسعا كبيرا لكن أحيانا على حساب مقاييس الجودة والصحة والراحة النفسية للساكنة.

مساحاتنا الخضراء كثيرا ما اعتُدي عليها كما اعتُدي على الأراضي الزراعية خارج مساحات المدن، لهذا نرى اليوم توجُّها نحو فتح المدن والأحياء على مساحات أكثر خضرة ونضارة، حتى إن عمارات بأكملها شيِّدت في السبعينيات من الأميونت رأيناها في وهران قبل يومين، تسوى بالأرض من أجل “زرع مساحات خضراء” لمدينة كانت دائما وستبقى المدينة والقطب الاقتصادي والسياحي بامتياز، زيادة على مدينة كل الرياضات بفعل احتضانها بعد أشهر لألعاب البحر الأبيض المتوسط، مما يستدعي أن نعطيها وجهها اللائق بها بعد سنوات من التدمير والنهب العقاري.

الالتفات إلى هذا الجانب في مجلس الوزراء، يعني أننا نسير في تجاه عقلنة كل إنجازاتنا وليس فقط بحثا عن السرعة في الإنجاز على حساب الجودة والوظيفية للمنشأة المنجزة.

الباقي هو أن نشتغل على ربط مياه الأمطار التي كثيرا ما تحدث فياضات عارمة في المدن بشبكة للصرف وتجميعها ورسكلتها تفاديا لضياع مياه نحن في أمسِّ الحاجة إليها كل سنة، بفعل الجفاف المزمن عندنا وفي دول الجنوب عموما.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!