هذه مأساة رميسة اليتيمة؟!
فتحت عينيها ذات صباح من شهر رمضان قبل الماضي على صوت امرأة اعتادت أن تراها في بيتهم وهي تقول لها بصوت مرتجف:” لقد ماتت أمك” فصرخت ملء حنجرتها وودعت أمها بدموع وكلمات حزينة بكت لها كل المعزيات، وهي تردد “تركتني وحدي يا أمي”، ومنذ ذلك اليوم عرفت رميسة معنى الوحدة والاشتياق وهي لا تزال في الـ 17 من عمرها لا تعرف كيف تدير شؤون بيت صغير، بل قبو يقع تحت عمارة قديمة بمدينة سطيف، ولا تدري كيف تعتني بشقيقها الصغير الذي يبلغ من العمر 12 سنة، ولا تعرف كيف ترضي شقيقها الكبير الذي لم تكن على وفاق معه حتى قبل أن تتوفى والدتهما.
ومرت على رميسة أياما سوداء حزينة في ذلك البيت الذي رحل منه والدها للأبد قبل 12 سنة عندما تعرض لحادث مرور وهو في طريقه إلى قسنطينة، ثم رحلت منه أمها التي تحملت مسؤولية ثلاثة أيتام وكابدت الظروف القاسية لتربيتهم وتوفير ما يحتاجون إليه دون أن يشعروا بأنهم محرومون شيئا من متاع الدنيا، حيث عملت في مجال الخياطة والحلاقة ولطالما تصرفت وكأن كل شيء على ما يرام حتى لا تشعرهم بثقل المسؤولية وهم صغار، ولكن الله شاء أن تصاب بسرطان قاتل اكتشفته وهو في مراحله الأخيرة، فعانت معاناة شديدة وتقلبت على فراش الألم لمدة عام كامل قبل أن تفارق الحياة، وتركت خلفها ثلاثة أيتام ليس لديهم من يعولهم أو يتكفل بهم..
وهنا برز الوجه الآخر للابن الكبير الذي يبلغ من العمر 21 سنة، حيث استولى على مصوغات والدته، واستحوذ على مبالغ مالية كبيرة تصدق بها المحسنون عليها قبل وفاتها وصار ينفق منها ببذخ على نفسه ويشتري كل ما يشتهي، بينما ترك أخواه في شقاء وعذاب يمضيان ليلهما ونهارهما في قبو مظلم ليس فيه ما يؤكل سوى البطاطا، أو ما يأتي لهما به من أكل معلب وبكميات قليلة، وشيئا فشيئا توترت العلاقة أكثر بين رميسة وشقيقها الذي قالت إنه صار يعاملها بعنف شديد وحجته في ذلك أن العنف مفيد مع الفتيات مع أن كل تصرفاته طائشة وغير مسؤولة وهو من يحتاج إلى من يقومه ويعدل سلوكه المنحرف..
ضاق القبو بالفتاة الصغيرة التي لجأت ذات يوم إلى صديقة أمها التي عاشت عندها لعدة أشهر، وخلال تلك الفترة كان شقيقها يطالب بعودتها إلى البيت ليمارس تسلطه عليها، ولكنها أصرت على عدم العودة واتصلت بجمعية ” الصلح خير” التي حاولت الإصلاح بينهما ولكن دون جدوى، حيث لم يبد أي رغبة في التفاهم مع أخته أو يتعهد بمعاملتها معاملة حسنة، وما ضاعف من إحساس رميسة بالفقد والألم، أن لا أحد من أقاربها وافق على التكفل بها مع شقيقها الصغير الذي يلاقي يوميا معاملة سيئة من شقيقهما الكبير الذي صار يخاف منه خوفا شديدا ويتعلم منه سيء الأخلاق، ومؤخرا قامت هذه اليتيمة بتوجيه رسالة لوكيل الجمهورية، حيث اشتكت له فيها عن استيلاء شقيقها على سكن اجتماعي كانت والدتهما استفادت منه قبل وفاتها ولم تنتقل إليه، حيث إنه اعتبر أن هذا المسكن من حقه وحق خطيبته التي سيتزوجها قريبا، بينما حرم أخته من الانتقال إليه، وها هي رميسة تنتظر الفصل في قضيتها والتعاطف معها باعتبارها قاصرا، فقدت والديها وحرمت من حنان أخيها وحرمت من الاستقرار العائلي والشعور بالأمان.