-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هكذا تطيب حياتك ويهنأ عيشك

سلطان بركاني
  • 973
  • 0
هكذا تطيب حياتك ويهنأ عيشك

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “إذا أصبح العبد وأمسى وليس همّه إلا الله وحده، تحمّل الله سبحانه حوائجه كلّها، وحمل عنه كلّ ما أهمه، وفرّغ قلبه لمحبّته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدّنيا همّه، حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبّته بمحبّة الخلق، وشغل لسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره كالكير، ينفخ بطنه، ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته، بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته، قال تعالى: ((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين))”.

هكذا هي سنّة الله في هذه الحياة؛ إذا جعل العبد مرضاة خالقه ومولاه أكبر همومه، فإنّه –سبحانه- يتولاّه ويتولّى أمره، ويكتب له التّوفيق، ويكلؤه ويرعاه ويسدّد خطاه، ويختار له ما فيه نجاح الدّنيا وفلاح الآخرة، ويحبّب إليه الإيمان ويزيّنه في قلبه، ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعل أنسه وراحته ولذّته في طاعة مولاه سبحانه.. يقول جلّ شأنه ممتنا على عباده المؤمنين الأوّلين: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم)).

يقول الإمام ابن القيم: “لا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبّها، ويؤثرها، حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزّه إليها أزًّا، وتحرّضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها”.. تصبح الطّاعة محبّبة إلى قلب العبد المؤمن، ينتظرها ويرغب فيها، وهكذا حتى تكون الطّاعة جزءًا من حياته، وحتى يستعمله الله في طاعته، فتمتلئ حياته كلّها أنسا وسعادة ونورا وحبورا.

نعم أخي المؤمن.. أروع ما في هذه الدّنيا، أن يستعملك اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في طاعته، وتحسّ بأنّك مدفوعٌ إلى فعل الخير مشغولٌ به، تتفتحُ أمامك أبوابُ الطاعات وتُيسَّر لك وتُعانُ عليها.. يحبّك مولاك الحنّان الرّحيم، فيستعملك ليس فقط في الوقوف بين يديه والرّكوع والسّجود له سبحانه، وإنّما أيضا في إيصال الخير إلى عباده، والسّعي في تفريج كروبهم وكشف همومهم.

عندما يستعملك الله، في طاعته، يختارك من بين عباده، ويسوقك إلى طاعةٍ يحبّها ويرضاها.. يقذف في قلبك حبّ كتابه والتلذّذ بكلامه، ويبارك في وقتك لتكرار ختمه ويشرح صدرك لمراجعته وحفظه ويسوقك إلى بيته لتجلس وتنشر المصحف بين يديك ترتّل آياته…. يحبّب إليك صلاة القيام، و‏يقيمك بين يديه في هجعة الليل، في وقت ينام فيه الخلق، ويبارز فيه آخرون خالقهم بالمعاصي والذّنوب.. يحبّب إليك صلاة الضّحى ويعينك على المحافظة عليها لتكتب في سجلّ عباده الأوابين.. يعينك على المحافظة على السّنن الرواتب ليبني لك بيتا في جنّته.. يرطّب لسانك بذكره حتّى يصبح الذّكر يجري على لسانك في كلّ وقت.. يفتح عليك بكثرة الاستغفار ليرحمك ويعطيك ويرفعك ويفتح لك الأقفال ويشرح لك البال ويغدق عليك من العطايا والأموال ويحسن لك المآل.. يفتح عليك بكثرة الصّلاة على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ليكفيك همّك ويغفر لك ذنبك.. عندما يستعملك الله في طاعته، يقذف في قلبك الرّحمة والشّفقة على والديك، فتحنو وتعطف عليهما، وتسعى في إرضائهما، وتدعو لهما.. عندما يستعملك الله في طاعته، ‏يجعلك داعيًا إليه، تحبّب دينه وطاعته إلى خلقه، بابتسامتك المشرقة وكلماتك الحانية وأخلاقك الرفيعة… وهكذا، يحبّب إليك سائر الطّاعات التي يحبّها، ويجعلك محبوبا بين أهل السّماء وبين أهل الأرض، ما يراك أحد إلا أحبّك، ويُلقى لك القبول في الأرض، وتحيا حياة هنيئة سعيدة، لا تنغّصها أكدار الدّنيا ولا ابتلاءاتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!