-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل حان وقت تغيير السياسة الأمريكية تجاه قضية الصحراء الغربية؟

حمدي يحظيه
  • 329
  • 0
هل حان وقت تغيير السياسة الأمريكية تجاه قضية الصحراء الغربية؟

يقول منظرو السياسة الأمريكية إن واشنطن تغيّر استراتيجياتها كل خمسين سنة. فإذا اتبعت استراتيجية ما في قضية ما، خاصة في السياسة الخارجية، وظهر لها أنها غير ناجحة، غيّرتها باستراتيجية جديدة قد تكون نقيض السياسة الأولى. وفي تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع قضية الصحراء الغربية، يمكن القول إن مقاربتها الداعمة للمغرب منذ سنة 1975م فشلت، وعليها أن تبحث عن مقاربة أخرى ضمن استراتيجية شاملة في شمال غرب إفريقيا.

من اتفاق مدريد إلى مقاربة أن تحل القضية نفسها بنفسها

إذا راجعنا سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه قضية الصحراء الغربية منذ بداية الصراع سنة 1975م، نجد أنها سياسة أرسى أسسها كيسنجر، فهو القائل: «لنترك هذه القضية في يد الأمم المتحدة على أن تعود إلى المغرب في الأخير»، وهو القائل أيضا: «لندع هذه القضية تحل نفسها بنفسها». إذن، بنى كيسنجر مسعاه على محورين متقاربين: الأول، أن الولايات المتحدة يمكن أن تؤثر يوما ما في الأمم المتحدة وتتحايل عليها وتجعلها تفرض حلا تعود بموجبه السيادة على الصحراء الغربية إلى المغرب. والثاني، أن تحل القضية نفسها بنفسها، ويعني بذلك أن لا تتدخل الولايات المتحدة مباشرة في الصراع وتلعب لعبة الحياد، وفي الأخير يسقط أحد الأطراف بفعل عامل الزمن، وهو يقصد، طبعا، الطرف الصحراوي.

في تخبطها الأعمى، أيدت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1975م اتفاق مدريد، وفسرت تأييدها له بأنه ينقل فقط إدارة الصحراء الغربية إلى المغرب وموريتانيا، ولا ينقل السيادة. ومن فوق المنابر، وإلى غاية ظاهرة ترامب، ظلت الولايات المتحدة تقول إنها حيادية، لكنها في الوقت نفسه تدعم المغرب عسكريا وسياسيا، وتعرقل أي حل شرعي يمر عبر الأمم المتحدة وتتجاهله.

إذن، مرت خمسون سنة، وفشلت الاستراتيجية فشلا ذريعا. لم تستطع الولايات المتحدة أن تفرض على الأمم المتحدة نزع صفة تقرير المصير وتصفية الاستعمار عن القضية الصحراوية، ولم تنجح سياسة أن تحل القضية نفسها بنفسها، مثلما نظّر لذلك كيسنجر. وهناك احتمال كبير جدا أن جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض ظلت تستمع إلى نصائح كيسنجر في قضية الصحراء الغربية إلى غاية وفاته.

في عهد ترامب خرجت الولايات المتحدة الأمريكية عن حيادها المصطنع، لكن حتى الخروج عن سياسة «الحياد» كان مرتبكا. ففي ديسمبر 2020م، بعثت الولايات المتحدة الأمريكية رسالة إلى مجلس الأمن تستند إلى قرار ترامب الاعتراف بالحكم الذاتي. وفي الرسالة التي حملت محتوى تغريدة ترامب التي اعترف فيها بالحكم الذاتي، تقول واشنطن: «ونحن نحث الأطراف على الانخراط، من دون تأخير، في مناقشات تستند إلى مخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره الإطار الوحيد للتفاوض من أجل التوصل إلى حل مقبول من جميع الأطراف» (الوثيقة الرسمية للأمم المتحدة S/2020/1210). وكما هو واضح في الرسالة، تقول الولايات المتحدة الأمريكية إن الحكم الذاتي الذي اعترفت به يجب أن يخضع للتفاوض.

إذن، نحن أمام موقف مرتبك لسببين: الأول أن الاعتراف بالحكم الذاتي جاء في إطار مقايضة مقابل الاعتراف المغربي بالكيان الصهيوني؛ والثاني أن حتى الاعتراف بالحكم الذاتي مشروط، دائما، بأن يتم التفاوض عليه مع البوليساريو. وموقف البوليساريو معروف تاريخيا، وهو نفس موقف الشعب الصحراوي، المتمثل في التمسك بتقرير المصير كخط أحمر.

فشل المقاربة المرتبكة في الأمم المتحدة

حاول منظرو السياسة الأمريكية أن يدفعوا بمقاربة ترامب ـ الحكم الذاتي ـ إلى مجلس الأمن في محاولة لإيجاد مظلة شرعية لها في الأمم المتحدة. واستغلوا أن واشنطن هي دائما صاحبة القلم، فدفعوا بالقرار 2797 الذي صدر في نهاية أكتوبر 2025م. لكن المشكلة أن القرار، بدلا من أن يدعم المقاربة الأمريكية، أفشلها.

فمثلما رأينا، في القرار المذكور، لم تنجح إدارة ترامب في تسويق الحكم الذاتي كحل وحيد للقضية، واستسلمت، وفرضت عليها الدول الأخرى الأعضاء في المجلس أن أي حل يجب أن يمر، حتما، بالتفاوض وبتقرير المصير. إذن، فإن نتيجة قرار مجلس الأمن المذكور لم تفعل أكثر من أن تقبر الحكم الذاتي. ومن الآن فصاعدا، من المنطقي أن يمتنع مجلس الأمن عن التطرق إلى الحكم الذاتي، لأنه غير واقعي، ولا يقبل الصحراويون التفاوض بشأنه.

لا يوجد حل فوق الطاولة ولا تحتها

الذين يعتقدون أن حلا أمريكيا موجود على الطاولة وجاهز، مثلما أشار مؤخرا السفير الأمريكي، نقول لهم إنه لا يوجد حل، مهما كان نوعه لا فوق الطاولة ولا تحتها. هناك فقط مسلسل من التخبط وعدم وضوح الرؤية، له بداية ولكن لا نهاية له. وأول علامات الارتباك أن الولايات المتحدة الأمريكية اختطفت قرار مجلس الأمن 2797، وهمشت الأمم المتحدة، وحاولت، بطريقة غير شرعية، أن تطبقه، وكلفت مسعد بولس بالمهمة، لكن مسعد بولس رفع الراية البيضاء، وقال مؤخرا إن الحل ابتعد كثيرا.

ومباشرة بعد تصريح مسعد بولس بالفشل، رأينا الولايات المتحدة تكلف شخصا آخر، هو سفيرها في الأمم المتحدة، باستئناف التواصل مع الطرف الصحراوي، لكن هذا السفير ارتكب خطأ في أول خرجة له، إذ قال إن حلا موجود على الطاولة، بينما لا يوجد أي حل. الحل هو أن تغيّر الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيتها في الصحراء الغربية، وتعود إلى الشرعية الدولية، لأن تكرار التجارب الفاشلة نفسها من أجل الحصول على نتيجة مغايرة يسمى الغباء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!