همٌّ وولاءٌ لا بدّ منهما
من أعظم أسباب ثقل الدّنيا على القلوب، ورضا العبد بالدّون، وإمعانه في مخاصمة النّاس ومقاتلتهم لأجل الدّنيا؛ أن يضعف همّ الدّين في قلبه… والعبد الذي يحمل هذا الهمّ العظيم في قلبه، ويكون أكبر همومه، تتصاغر الدنيا وتتضاءل في عينه…. يحزن ويأسى وهو يرى دين الله الحقّ يحارب ويحاصر ويحرّف ويمكر به، أكثر من حزنه على فوات حظوظ الدّنيا. ويفرح حينما يرى بادرةً تبشّر بقرب التّمكين الموعود، أكثرَ من فرحه باجتماع ما يرجوه من حظوظ الدّنيا.
حين يرتقي العبد المسلم بهمّته، يتملّكه شعور بالأسى وهو يرى دين الله قد زهد فيه كثير من الحكّام وباعه بعض العلماء وأخّره كثير من المسلمين في همومهم وفي شؤون حياتهم، ويغتمّ لحال إخوانه المسلمين المستضعفين والمحاصرين في كلّ مكان؛ يتحسّر لأنهار الدماء التي تسيل من أجساد إخوانه في غزّة، وللفتنة العمياء التي أجّجها الماكرون بين إخوانه في اليمن، ولما حاق بالمسلمين في إيران ولبنان مهما اختلف معهم في قليل أو كثير، فرابطة الإسلام أوسع من رابطة المذهب والطّائفة والحزب. ويحزن غاية الحزن للتضييق الذي يعانيه إخوانه في تركستان الشرقية الذين يمنعون الصيام والاجتماع في المساجد وتقيم لهم الصين محاكم تفتيش لتصدّهم عن دينهم. ويبكي لأخواته المسلمات اللاتي يمنعن من لبس الحجاب في مدارس أذربيجان المسلمة. ولإخوانه المسلمين الذين يسامون سوء العذاب وتهدم مساجدهم في الهند!
العبد المؤمن يعيش بقلبه هموم دينه وقضايا إخوانه، حاله كما قال الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-: “إنني لا أبالي أين ينتهي بي المطاف، ولا كيف يسقط جثماني، كل ما أرجوه هو أن يتقبلني الله في عباده الصالحين، وأن يرى نيتي في نصرة هذا الدين خالصة لا تشوبها شائبة”، وكما قال كذلك: “همي أن تأتيني منيتي وأنا على ثغر من ثغور الإسلام، أحمي عقيدته وأبني أمته”.
يقول أحد الدّعاة: “ليكن همّك أن ينظر الله إليك بين الجموع الكاثرة، فيجدك عاملا للدين على قلة من الرفقاء وكثرة من الأعداء. ليكن همك أن تلقى الله وعَرَق السير على بدنك وغبار الطريق في أنفك، وإن قل السالكون معك. ليكن همك أن تلقى الله رافعا شعلة الحق وإن لسعتك نارها، فلربما لحِق بك من يحملها عنك أو لقيت الله وأثرُ النور على يديك. المهم أن ينظر الله إلى الجموع الكثيرة فيكون نورك الساطع أول ما يراه -سبحانه- من بين تلك الجموع فيختارك… إنّه ما زاغ من زاغ إلا لأنه انشغل بضجيج الركب عن نظر الرب، فمشى مع الرّكب! الناس عند الله أحد رجلين: رجل بأمة، وأمة لا تساوي عند الله ظفر رجل”.
الولاء للإسلام وحده
من أكثر ما يعين المسلم في الارتقاء بهمّه وبهمّته، أن يجعل ولاءه للإسلام العظيم وحده، وليس لطائفة أو جماعة أو حزب. خاصّة في مثل هذه الأعوام التي يسعى فيها المتربّصون والماكرون سعيا حثيثا في تعظيم الولاءات الطائفية والعرقية الضيّقة ويوقد فيها شياطين الإنس والجنّ نيران العداوة بين المسلمين، ويؤجّجون بينهم الصراعات والحروب…. لقد اكتوت الأمّة بما حصل في العراق وسوريا، فلم تعتبر بذلك، وها هي الآن تكتوي بما يحدث في اليمن، بسبب مكر الأعداء وتواطؤ العملاء وتساقط السذّج والأغبياء!
إذا عدنا إلى القرآن، فإنّنا نجد أنّ آياته المحكمة صريحة في حثّ المسلمين على أن يعيشوا مسلمين ولا يموتوا إلا وهم مسلمون لا يحملون اسما آخر غير اسم الإسلام ولا عنوانا غير عنوانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون))، ((مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا))… ونجد أنّ الآيات تأمر المسلمين -وجوبا- أن يعتصموا بالإسلام وحده ويتركوا كلّ الدّعوات التي تفرّق شملهم: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون)). ((إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون)).
وهكذا أحاديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- الصّحيحة، كلّها تحرّم الانتماءات التي تجعل المسلمين أوزاعا متناحرة، يقول -عليه الصّلاة والسّلام-: “مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ”، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلّى؟ قال: “نَعَم، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى. فَادْعُوا بِدَعْوَى اللهِ الَّتِي سَمَّاكُمُ اللهُ بِهَا: الْمُسْلِمِينَ، الْمُؤْمِنِينَ، عِبَادَ الله” (المستدرك على الصّحيحين).
ولعلّ أكثر ما يحيّر في أمر المسلمين المتناحرين بين الجماعات والطّوائف والدّعاوى المختلفة، أنّهم يعلمون هذه الآيات والأحاديث، لكنّهم يصغون إلى شيوخٍ سوّلوا لهم التفرّق بمسوّغات يفترض أن تردّ على أصحابها أمام هذه الآيات الواضحة والأحاديث الصريحة.
الحذر من التفرّق واعتزال الطّوائف، لا يسوّغ للمسلم أن يعادي كلّ المنتمين إليها، ويضع يده في أيدي من يحاربهم، بل يجعله يشفق عليهم وينصحهم ويواليهم على ما عندهم من الحقّ، ويعينهم فيما عندهم من الخير، وينهاهم عن التفرّق وعن معاداة إخوانهم المسلمين في الطّوائف الأخرى.
هناك طوائف في واقع المسلمين -الآن- تهتمّ بتنقية العقيدة ممّا علق بها من طقوس وخرافات لا يقبلها دين ولا عقل، وهذا عمل صالح وسعي تشكر عليه، لكنّ أتباعها قد يغلون غلوا منكرا في محاكمة المسلمين الذين وقعوا ضحية للتحريف الذي طال العقائد، بل قد يصل الأمر إلى رميهم بالشّرك والكفر، مع أنّ الواجب كان نصحهم بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة وتثمين ما عندهم من خير في جوانب أخرى… هناك طوائف في الأمّة وقع عندها خلل في بعض مسائل العقيدة المتعلّقة بالدّعاء، بسبب طول العهد وكثرة التأويلات، لكنّها على خير كبير في جانب “الولاء والبراء”؛ فهي ترفض أن تلقي إلى أعداء الأمّة بحبال الودّ وتواليهم على حساب المسلمين، وهذا جانب مهمّ في العقيدة أقامته هذه الطّائفة تحمد عليه، ويقبل منها، وتعان عليه، ولا يرفض منها بحجّة أنّها مقيمة على بعض الأخطاء في أبواب أخرى!
ولعلّ من أحسن ما سطر في هذا الباب، قول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: “إذا اجتمع في الرّجل الواحد خيرٌ وشرٌّ وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته”.