-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هندسة المخرج الجزائري من جغرافيا محاصِرة إلى مؤثِّرة

الشروق أونلاين
  • 70
  • 0
هندسة المخرج الجزائري من جغرافيا محاصِرة إلى مؤثِّرة

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون السؤال فيها: من هو العدو؟ بل يكون السؤال الأكثر خطورة: هل تتشكل حول الدولة بيئة استراتيجية تجعلها مضطرة إلى التعامل مع عدة أزمات في وقت واحد، بحيث تتحول كل أزمة إلى مضاعِف للأخرى؟ هذا هو الطوق الحقيقي. فالطوق في القرن الحادي والعشرين لا يحتاج إلى جيوش تحاصر الحدود. يكفي أن تجد الدولة نفسها أمام ضغوط متزامنة على أكثر من اتجاه: حدود مضطربة، بيئة إقليمية متوترة، منافسة على النفوذ، ضغوط اقتصادية، حملات معلوماتية، محاولات عزل دبلوماسي، اضطراب في الأسواق، وتنافس على مصادر الطاقة والممرات التجارية. وحين تتزامن هذه الضغوط، فإن الخطر لا يكمن في كل ضغط منفردًا، الخطر في تزامنها. لهذا فإن الجزائر لا تحتاج إلى البحث عن “ثقب” واحد للخروج من الطوق، إنها تحتاج إلى إعادة تصميم الطوق نفسه بحيث يفقد وظيفته. وهنا تبدأ الاستراتيجية.

لا تحاول كسر الحصار من الخارج… اجعل الداخل أقوى من الحصار:

أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه دولة تشعر بأنها محاصرة هو أن تتصرف على أساس أنها محاصرة، لأن الشعور بالحصار قد يدفع الدولة إلى استنزاف مواردها في كل الاتجاهات، والدخول في ردود فعل متتالية، والانتقال من أزمة إلى أزمة دون أن تمتلك وقتًا لبناء موقعها الاستراتيجي. أما الدولة الذكية فتفعل شيئًا مختلفًا: تُحوِّل الحصار من مشكلة أمنية إلى مشروع لإعادة بناء الدولة. وهذه النقلة هي التي تحتاجها الجزائر.

الجزائر لا تحتاج إلى “جبهة خلفية”… بل إلى دولة بلا جبهة خلفية:

في التفكير العسكري التقليدي توجد جبهة أمامية وخلفية، لكن في الحروب المركبة لا توجد خلفية حقيقية. الأزمة الاقتصادية يمكن أن تصبح أمنية، والهجوم السيبراني يمكن أن يصبح اقتصاديًا، والضغط الدبلوماسي يمكن أن يتحول إلى ضغط تجاري، والاضطراب الاجتماعي يمكن أن يصبح أداة في حرب المعلومات. لذلك يجب أن تتحول الجزائر إلى ما يمكن تسميته: الدولة ذات المناعة المتصلة أي أن الأمن لا يكون منفصلًا عن الاقتصاد، ولا الاقتصاد عن الطاقة، ولا الطاقة عن التكنولوجيا، ولا التكنولوجيا عن التعليم، ولا التعليم عن الأمن المعلوماتي. إنها منظومة واحدة. والفكرة الأساسية هنا: كلما كانت الدولة مجزأة في دفاعها، أمكن مهاجمتها من الفواصل بين مؤسساتها؛ وكلما أصبحت منظومة متصلة، أصبح اختراقها أكثر كلفة.

أول اختراق للطوق: إنهاء قابلية الاقتصاد للضغط

ليس المطلوب أن تتخلى الجزائر عن قطاع المحروقات، ذلك سيكون غير منطقي. المطلوب هو تحويل المحروقات من نقطة اعتماد إلى رافعة انتقال. فالمشكلة ليست أن الجزائر تمتلك النفط والغاز، المشكلة الاستراتيجية هي أن الاقتصاد الذي يعتمد بصورة كبيرة على مصدر واحد للإيرادات الخارجية يصبح أكثر حساسية لتقلبات السوق العالمية. ويشير البنك الدولي بالفعل إلى استمرار هذه الحساسية، مع توصيته بتسريع التنويع وزيادة الإنتاجية والصادرات غير الهيدروكربونية. وهنا أقترح مبدأً يمكن أن يتحول إلى عقيدة اقتصادية للأمن الوطني: “كل دولار محروقات يجب أن يمول دولارًا من الاستقلال المستقبلي”. أي أن عائدات الطاقة ينبغي أن تُستخدم بصورة متزايدة لبناء: صناعة تنافسية؛ أمن غذائي أكثر قوة؛ صناعة دوائية؛ اقتصاد رقمي؛ ذكاء اصطناعي؛ صناعة دفاعية ذات قاعدة معرفية؛ بنية لوجستية؛ اقتصاد بحري؛ طاقات متجددة؛ وتكنولوجيا ذات قيمة مضافة عالية.

لقد قطعت الجزائر بالفعل خطوات في توسيع الصادرات غير الهيدروكربونية؛ إذ يشير البنك الدولي إلى تضاعفها عدة مرات منذ 2017م، لكنها ما تزال تمثل حصة محدودة من الناتج والصادرات. وهنا ينبغي أن يكون الهدف أبعد من مجرد “تنويع الصادرات”، الهدف هو تنويع مصادر القوة.

لا تجعل الخارج قادرًا على إغلاق الصنبور الوحيد:

في عالم متوتر، لا يكون الخطر في أن يمنعك الآخر من الحصول على شيء، الخطر أن يمتلك القدرة على منعك من الحصول عليه من أي مكان آخر. وهنا ينبغي للجزائر أن تنشئ ما يمكن تسميته: خريطة الاعتماد الاستراتيجي الوطني، تحدد بدقة: ما هي التكنولوجيا التي نستوردها؟ ما هي المواد التي لا ننتجها؟ ما هي الأغذية التي يمكن أن يصبح استيرادها نقطة ضغط؟ ما هي الأدوية الحيوية التي تعتمد على الخارج؟ ما هي المكونات الصناعية الحرجة؟ ما هي البرمجيات والبنى الرقمية التي لا نملك بدائل لها؟ ما هي سلاسل الإمداد التي يمكن أن تتعطل؟ ثم تُبنى لكل نقطة حرجة ثلاثة مسارات بديلة على الأقل: إنتاج محلي، موردون متعددو المصادر، وبديل تكنولوجي أو وظيفي. هذه ليست سياسة تجارية، بل استراتيجية أمن قومي.

الجبهة التي لا تُرى: البيانات

هناك طوق جديد لا يظهر على الخريطة، إنه طوق البيانات. من يملك البيانات يمتلك قدرة متزايدة على فهم المجتمع، والأسواق، والسلوك، والاقتصاد، وأنماط الاستهلاك، وحتى نقاط الضعف. ولهذا فإن السيادة الرقمية يجب ألا تُفهم باعتبارها مجرد حماية للخوادم الحكومية، إنها: قدرة الدولة على إنتاج بياناتها، وتخزينها، وتحليلها، وحمايتها، وتحويلها إلى معرفة وقرار. وهنا يمكن للجزائر أن تبني مشروعًا وطنيًا بالغ الأهمية: “درع البيانات السيادي”. ليس المقصود منه عزل الجزائر عن العالم الرقمي، بل أن تكون البيانات الاستراتيجية للدولة قابلة للحماية والتحليل داخل منظومة وطنية موثوقة، مع تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي والتحليل الاستباقي. فالدولة التي لا تعرف نفسها رقميًا، يصعب عليها أن تتنبأ بما سيحدث لها.

لا تنتظر الأزمة حتى تكتشف نقاط ضعفك:

الطوق الناجح لا يُبنى فجأة، إنه يبدأ باختبارات صغيرة. ولهذا تحتاج الجزائر إلى مؤسسة أو منظومة وطنية متخصصة في: اختبار الصمود الوطني، تقوم دوريًا بمحاكاة أزمات افتراضية: ماذا يحدث إذا تعطلت شبكة مالية؟ ماذا يحدث إذا ارتفعت أسعار الغذاء عالميًا؟ ماذا يحدث إذا توقفت سلسلة إمداد؟ ماذا يحدث إذا تعرضت بنية رقمية رئيسية لهجوم؟ ماذا يحدث إذا تعرض قطاع الطاقة لضغط؟ ماذا يحدث إذا انتشرت حملة تضليل واسعة؟ ماذا يحدث إذا حدثت أزمة دبلوماسية متزامنة مع أزمة اقتصادية؟ ليس الهدف نشر سيناريوهات الحرب، بل اكتشاف نقاط الانهيار قبل أن يكتشفها الخصم. وهذه هي الفكرة الأكثر أهمية: اختبر الدولة في السلم حتى لا يختبرها الآخرون في الأزمة.

من دولة محاطة بالضغوط إلى دولة تجعل محيطها محتاجًا إليها:

الجزائر لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي، لكنها تستطيع تغيير قيمة موقعها الجغرافي، وهذا فارق هائل. الجغرافيا ليست قدرًا سياسيًا، لكن بإمكانها أن تصبح قوة عندما تعرف الدولة كيف تحولها إلى وظيفة استراتيجية.

حوّل الحدود من خطوط دفاع إلى شبكات مصالح:

بدل التفكير في الحدود باعتبارها مناطق يجب حمايتها فقط، يجب النظر إليها باعتبارها مناطق يمكن أن تنتج مصالح متبادلة، الموانئ، الطرق، السكك الحديدية، التجارة، الطاقة، الاتصالات، الاستثمار، المناطق الصناعية، التبادل الجامعي، الأمن الحدودي. كل ذلك يمكن أن يصنع شبكة مصالح تجعل استقرار الجزائر جزءًا من استقرار محيطها. وهنا تظهر قاعدة شديدة الذكاء: كلما أصبح استقرار الدولة مصلحةً للآخرين، أصبح الاعتداء عليها أكثر تكلفة على المعتدي.

الساحل ليس عبئًا فقط… يمكن أن يصبح مجالًا لصناعة النفوذ:

ينبغي ألا تتعامل الجزائر مع الساحل باعتباره مجرد مصدر تهديد، هذه نظرة ناقصة. فهو أيضًا مجال لبناء: شراكات أمنية؛ مشاريع تنموية؛ شبكات نقل؛ تعاون جامعي؛ طاقات؛ تجارة؛ مكافحة الجريمة المنظمة؛ ومبادرات دبلوماسية. أي أن الجزائر تستطيع الانتقال من: حارس للحدود إلى: منتج للاستقرار الإقليمي. وهذه نقلة في مفهوم القوة.

   لا تبحث الجزائر عن “حليف كبير”… بل عن “شبكة كبيرة من المصالح“:

في عالم الاستقطاب، قد يكون الارتهان لقوة واحدة خطرًا بحد ذاته. الأكثر أمانًا هو بناء شبكة واسعة من العلاقات المختلفة: أوروبا، إفريقيا، آسيا، العالم العربي، القوى الصاعدة، الدول المتوسطة، المؤسسات متعددة الأطراف، الشركات العالمية، الجامعات ومراكز البحث. وهذا لا يعني الوقوف ضد طرف، بل يعني ألا يصبح مستقبل الجزائر مربوطًا بمزاج طرف واحد. فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة؛ بل يعني امتلاك البدائل.

الجزائر تحتاج إلى “دبلوماسية المصالح المتقاطعة“:

بدل بناء علاقات منفصلة: علاقة سياسية هنا، وعلاقة اقتصادية هناك،  وعلاقة أمنية في مكان آخر،  ينبغي بناء علاقات متشابكة. إذا كانت دولة ما مرتبطة بالجزائر بالطاقة، وبالاستثمار، وبالتجارة، وبالجامعات، وبالنقل، وبالأمن الإقليمي في الوقت نفسه، فإن العلاقة تصبح أكثر صلابة، ليس لأنها تحولت إلى تحالف عسكري، بل لأن مصالح متعددة أصبحت مرتبطة باستقرار العلاقة. وهذه إحدى أكثر طرق بناء القوة هدوءًا وفعالية.

لا تسمح بأن تصبح الجزائر “موضوعًا” في الأزمات:

الدولة القوية ليست التي يتحدث الآخرون عنها فقط، بل التي تستطيع أن تنتج أجندتها. وهنا تحتاج الجزائر إلى قوة معرفية موازية لقوتها الدبلوماسية: مراكز تفكير استراتيجية، مرصد للإنذار الجيوسياسي، مراكز دراسات إفريقية، وحدات لتحليل البيانات المفتوحة، مختبرات للسيناريوهات، شبكات أكاديمية دولية، دبلوماسية علمية، دبلوماسية ثقافية، وإنتاج منتظم للمعرفة حول الجزائر وإفريقيا والمتوسط. لأن هناك قاعدة لا ينبغي نسيانها: الدولة التي لا تنتج المعرفة عن بيئتها، ستجد نفسها مضطرة إلى استهلاك المعرفة التي ينتجها الآخرون عنها.

أخطر ما يمكن فعله هو الرد على كل استفزاز:

الدولة التي ترد على كل استفزاز تُقاد من الخارج دون أن تشعر. هذه ليست قوة، إنها قابلية للاستدراج. ولهذا يجب أن تمتلك الجزائر سلّمًا واضحًا للاستجابة: استيعاب، تحقق، احتواء، ضغط دبلوماسي، تحرك قانوني، تعبئة الشركاء، إجراءات اقتصادية مناسبة. ثم، عند الضرورة القصوى، استخدام أدوات الردع التي يكفلها القانون الدولي والدستور والقوانين الوطنية.

الفكرة هي ألا ينتقل القرار من العقل الاستراتيجي إلى رد الفعل العاطفي. فالخصم الذكي لا يريد منك أن تخسر دائمًا، أحيانًا يريد فقط أن يجعلك تستهلك قوتك في المكان الذي اختاره هو.

الطوق المعاكس: حين تصبح الجزائر مركزًا لا يمكن تجاوزه

يمكن اختزال الاستراتيجية المقترحة في معادلة واحدة:

المناعة الداخلية + تنويع الاعتماد + العمق الإفريقي + العمق المتوسطي + الشبكات الدبلوماسية + السيادة الرقمية + الاقتصاد المنتج = كسر الطوق

لكن هناك خطوة أبعد. بدل أن تسأل الجزائر: كيف نخرج من الطوق؟ يجب أن تسأل: كيف نجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل أن يحاولوا إغلاقه؟ وهنا تتحول الاستراتيجية من الدفاع إلى صناعة تكلفة سياسية واقتصادية ودبلوماسية لأي محاولة لمحاصرة الجزائر، دون أن يعني ذلك البحث عن المواجهة أو تبني سياسة تصعيدية. وهذا هو الردع الأكثر ذكاءً، ليس الذي يقول: “سنضربكم”، بل الردع الذي يقول بصمت: “لن تحصلوا على النتيجة التي تريدونها”.

خاتمة: الطوق لا يُكسر دائمًا بالقوة… أحيانًا يُكسر بجعل الدولة أكبر من الطوق

قد تبدو الجزائر اليوم، في بعض دوائر التحليل، محاطة بعدة دوائر من عدم اليقين. لكن الخطأ هو الاعتقاد أن الجغرافيا تحكم وحدها على الدولة. فالجزائر تمتلك شيئًا لا يمكن تغييره بسهولة: الموقع. لكنها تمتلك كذلك ما يمكن تطويره: القوة. وتملك ما يمكن توسيعه: الشبكات. وتملك ما يمكن مضاعفته: المعرفة. وتملك ما يمكن إعادة هندسته: الاقتصاد. وتملك ما يمكن تحويله إلى عمق: العلاقات الإفريقية والمتوسطية والدولية. ولهذا فإن المطلوب ليس بناء الجزائر المحاصَرة التي تقضي كل وقتها في النظر إلى الطوق، بل بناء: الجزائر التي تجعل الطوق نفسه عديم الجدوى، جزائر لا تعتمد على سوق واحد، ولا على حليف واحد، ولا على مورد واحد، ولا على رواية إعلامية واحدة، ولا على مصدر واحد للمعلومة، ولا على قطاع اقتصادي واحد، ولا على أداة واحدة للقوة. إنها جزائر متعددة البدائل. وهذه العبارة، في رأيي، يمكن أن تختصر عقيدة الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين: الدولة التي تمتلك البدائل لا تُحاصر بسهولة. والدولة التي لا تمتلك إلا خيارًا واحدًا، يمكن حصارها دون إطلاق رصاصة واحدة. لذلك فإن أعظم مشروع استراتيجي يمكن أن تنخرط فيه الجزائر خلال السنوات القادمة ليس مشروع مواجهة أحد، إنه مشروع تحصين الجزائر من قابلية الحصار. فإذا أصبحت الجزائر أكثر إنتاجًا، وأكثر تنوعًا، وأكثر اتصالًا بإفريقيا، وأكثر حضورًا في المتوسط، وأكثر استقلالًا رقميًا، وأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وأكثر مرونة اقتصاديًا، وأكثر تشابكًا في مصالحها الدولية، وأكثر ثقة في مؤسساتها ومجتمعها، فإن معنى “الطوق” نفسه سيتغير.

عندها لن يكون السؤال: من يحاصر الجزائر؟ بل سيصبح السؤال الأكثر أهمية: من يستطيع أن يتحمل كلفة إبعاد الجزائر عن المعادلة؟ وهنا تحديدًا تبدأ الجغرافيا في التحول إلى استراتيجية، ويتحول الاستقلال إلى قوة، وتتحول السيادة من شعار إلى قدرة، وتصبح الجزائر، دولة لا تبحث عن منفذ من الطوق، بل دولة تجعل الطوق نفسه يفقد معناه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!