وثيقة جديدة لتوقع تطور وأداء الاقتصاد الجزائري
أفرج صندوق النقد الدولي، بالتعاون مع بنك الجزائر، عن وثيقة عمل تقنية جديدة تتناول اعتماد نموذج اقتصادي كلي فصلي لتوقع تطورات الاقتصاد الجزائري، يحمل تسمية Algeria Macroeconomic Projection Model (AMPM)، ويعد الأداة المركزية المعتمدة داخل بنك الجزائر لتحليل السياسة النقدية ومتابعة مسار التضخم والنمو والتوازنات الاقتصادية.
الوثيقة التي صدرت في فيفري 2026، واطلعت “الشروق” على نسخة منها، ضمن سلسلة أوراق العمل البحثية للصندوق تحت الرقم المرجعي WP/26/25، شارك في إعدادها خبراء من بنك الجزائر إلى جانب فريق تقني تابع لصندوق النقد الدولي، في إطار برنامج دعم تقني انطلق منذ سنة 2023 لتطوير منظومة التوقعات والتحليل الاقتصادي المعتمدة لدى السلطات النقدية.
وأوضحت الوثيقة أن هذا النموذج صمم ليكون الإطار التحليلي الأساسي الذي يستند إليه بنك الجزائر في إعداد توقعاته الدورية، وفي تحليل أثر القرارات النقدية والمالية على الاقتصاد، مع مراعاة الخصوصيات البنيوية للاقتصاد الجزائري، وعلى رأسها الاعتماد الكبير على قطاع المحروقات، وهيمنة القطاع العام على النظام المصرفي، وضعف قنوات انتقال السياسة النقدية، واعتماد نظام سعر صرف يخضع للمراقبة
وبينت الوثيقة أن نموذج “AMPM” يندرج ضمن مقاربة حديثة للسياسة النقدية تعتمد على التوقعات المستقبلية وتحليل السيناريوهات، بدل الاقتصار على المؤشرات الآنية، بما يسمح بتقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بالصدمات الداخلية والخارجية.
وأشار معدّو الورقة إلى أن الوثيقة هي نموذج فصلي للتوقعات الاقتصادية يشكل العمود الفقري لنظام التنبؤ والتحليل السياسي داخل بنك الجزائر، ويستخدم لتوقع التضخم والنمو الاقتصادي وتحليل التفاعل بين السياسة النقدية والسياسة المالية وسعر الصرف والقطاع الخارجي.
وأبرز التقرير أن النموذج صمم خصيصا للاقتصاد الجزائري، ولا يمثل نسخة مطابقة لنماذج مطبقة في دول أخرى، إذ جرى تكييف بنيته ومعادلاته لتأخذ بعين الاعتبار طبيعة الاقتصاد المبني على صادرات المحروقات، ودور الخزينة العمومية وآليات تمويل العجز وطبيعة سوق الصرف.
وأوضح التقرير أن إعداد هذا النموذج جاء في سياق إصلاح الإطار القانوني والتنظيمي للسياسة النقدية، لاسيما بعد صدور القانون النقدي والمصرفي لسنة 2023، الذي كرس استقرار الأسعار كهدف رئيسي لبنك الجزائر، ومنح البنك أدوات تشغيلية أوسع لإدارة السيولة وأسعار الفائدة والتدخل في سوق الصرف.
وبيّنت الوثيقة أن السياسة النقدية في الجزائر تعتمد رسميا على استهداف الكتلة النقدية كهدف وسيط، مع استخدام مجموعة من الأدوات تشمل عمليات السوق المفتوحة ونسب الاحتياطي الإلزامي وتسهيلات الإيداع والإقراض، إلى جانب إدارة سعر الصرف، في إطار يراعي تطور التضخم وحالة النشاط الاقتصادي.
وفيما يخص التضخم، أوضح التقرير أن الإطار التحليلي المعتمد يفكك مؤشر أسعار الاستهلاك إلى مكون أساسي وآخر غير أساسي، حيث يشمل التضخم غير الأساسي المواد الغذائية الطازجة التي تتأثر بعوامل مناخية وتدخلات إدارية، في حين يُعد التضخم الأساسي المؤشر المرجعي الذي تستهدفه السياسة النقدية على المدى المتوسط.
وأشار إلى أن الهدف الضمني للتضخم الأساسي محدد عند مستوى يقارب 4 بالمائة، ويستخدم هذا الهدف كمرجع في توجيه السياسة النقدية، مع اعتماد نموذج يربط تطور التضخم بعوامل الطلب الداخلي وسعر الصرف الحقيقي وتكاليف الإنتاج.
وتناول التقرير النمو الاقتصادي من خلال تقسيم الناتج الداخلي الخام إلى قطاعين رئيسيين، يتمثل الأول في القطاع الاستخراجي الذي يضم أنشطة المحروقات، والثاني في القطاع غير الاستخراجي الذي يشمل باقي الأنشطة الاقتصادية، كما بين أن القطاع الاستخراجي يتحدد أساسا بعوامل خارجية مرتبطة بأسعار النفط والغاز وحجم الطلب العالمي، في حين يعكس القطاع غير الاستخراجي ديناميكية الطلب الداخلي ويستخدم كمؤشر لدورة الأعمال الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بالسياسة المالية، أشار التقرير إلى أن نموذج “AMPM” يدمج المالية العمومية من خلال تحليل تطور العجز والدين العمومي، مع التمييز بين مكونات الدين وآليات تمويل الخزينة، موضحا أن المالية العمومية شهدت تحولا من فوائض معتبرة خلال سنوات ارتفاع أسعار النفط إلى عجز هيكلي منذ سنة 2009.
وتطرق التقرير إلى نظام سعر الصرف المعتمد في الجزائر، موضحا أن الدينار يدار في إطار نظام سعر صرف يسمح بتدخل بنك الجزائر لتفادي تقلبات حادة، وتقليص اختلالات سعر الصرف الحقيقي.
وأبرزت الوثيقة أن النموذج يربط تطور سعر الصرف الاسمي بمستوى التضخم، وأسعار النفط، ووضعية الميزان الخارجي، مع الأخذ بعين الاعتبار هدف استقرار الأسعار، وأن سعر الصرف يستخدم كأداة تكميلية ضمن السياسة النقدية في ظل محدودية حركة رؤوس الأموال.