وزارة التعليم العالي تُهِـين أساتذتها!
وقّع وزير التعليم العالي يوم 12 فيفري الجاري قرارا يفصّل كيفية الحصول على التربصات بالخارج لصالح طلبة الدكتوراه والماستر، والمشاركين في التظاهرات العلمية والراغبين في “الإقامات العلمية”. كما يوضح أيضا كيفية استفادة الإداريين من هذه المنح. والجميل في هذا القرار أنه خصّص حصة الأسد لتربصات الطلبة، فهم يستفيدون بنسبة 50% من مجمل المنح، ويمكن أن يصل التربص الواحد إلى نصف سنة، إضافة إلى إتاحة لهم الفرصة في الاستفادة من المشاركة في التظاهرات العلمية التي خصصت لها نسبة 20% من مجموع المنح المقترحة.
متاهات الماضي والحاضر
وفي هذا السياق خصصت نسبة 20% لما يُسمى بـ”الإقامات العلمية” ينفرد بها الأساتذة والأساتذة المحاضرون دون الطلبة. و”الإقامة العلمية” يُقصد بها تنقّل أستاذ -لفترة أقصاها نصف شهر- إلى هيئة علمية أجنبية بهدف إنجاز مشروع مع زملاء هناك.
في وقت مضى عانت هذه الفئة الكثير لأن الإدارة كانت تطلب رسالة استقبال من تحمل تأشيرة الهيئة المستقبلة بالخارج إضافة إلى توقيعها. وكان يُطلب من المستفيد عند عودته تقريرٌ مُوقّع من قبل الهيئة المستقبلة. اتضح هذا المطلب فيما بعد للوزارة أنه غير منطقي ومسيء لسمعة الأستاذ ومكانته، فتخلّت عنه لبضع سنوات. وقد بلغ الأمر بكثير من الهيئات المستقبلة طلب مقابل مادي لقاء تلك التوقيعات. بل وجدت بعض الجهات في الزائر الجزائري مصدرا للرزق حيث كانت بعضها تطلب منه مثلا شراء كتب محلية للحصول على التوقيع!
والغريب الآن أن الوزارة رجعت في قرارها إلى نفس الصيغة المُهينة بعد أن ألبستها ثوبا جديدا للتمويه. فهي تلزم طالب الإقامة العلمية “بتقديم مشروع عمل يحدد الأهداف… موقَّع من طرف الهيئة المستقبلة بالخارج”. هذا يعني أن الوزارة لا تثق في صاحب مخطط العمل (الأستاذ الجزائري) بل تثق في توقيع الجهة الأجنبية التي ستستقبله. بعبارة أوضح، فوزارتنا تثق في الأستاذ الأجنبي (الذي ربما لا يحمل هذه الصفة) ولا تثق في من رقّته إلى صف “أستاذ التعليم العالي” أو أهّلته للإشراف على رسائل الدكتوراه!!!
وليس هذا فحسب، بل تطلب وزارتنا من أساتذتها عند العودة -فضلا عن تأشيرة شرطة الحدود على وثيقة التكليف بمهمة- “تقديم وثيقة تثبت وجود المعني بالهيئة المستقبلة خلال فترة الإقامة”. هذا يعني شهادة تحمل ختم وتوقيع الهيئة الأجنبية تثبت أن الأستاذ تمت مراقبة وجوده خلال فترة الإقامة!! وهنا أيضا تتضح الثقة العمياء في الأجنبي وانعدامها في المواطن!
الشعور بالإهابة
من المنطقي أن نتصوّر بأن الجهة الأجنبية ستزداد احتراما لمؤسساتنا الرسمية عندما تلاحظ أنها تتابع عن كثب طلبة (الدكتوراه) حين تطلب منهم في نهاية التربص تقارير علمية موقَّعة من قبل الجهة المستقبلة. وفي المقابل، نتصوّر أن تلك الهيئة ستنظر باستخفاف واستغراب لإدارتنا عندما يتضح أنها لا تثق في أرقى موظفيها، وتثق في توقيع أجنبي مجهول لديها!! ذلك ما يصرح به علنًا الزملاء الأجانب عندما يُطلب منهم التوقيع على مثل هذه الوثائق.
أما من جهة الأستاذ الجزائري، علينا أن نتصوّر مدى شعوره بالإهانة وهو يلتمس كل هذه التوقيعات من زملائه بالخارج وإداراتهم؟ نقول “يلتمس” لأن في مثل هذا الطلب إذلالا له، واستنقاصا من مكانته العلمية والمهنية والاجتماعية في عيون زميله الأجنبي. ثم إن الجهات الأجنبية لها أيضا تعليماتها… فهي في الكثير من الأحيان ليست مخوّلة للتوقيع أو وضع ختم الإدارة على وثيقة من هذا القبيل. نتساءل : كيف تفهمت الوزارة هذه الوضعيات الحساسة، ثم تجاهلته هذه السنة؟!
بطبيعة الحال، سيقول قائل إن الكثير من الأساتذة يعتبرون هذه المنح منحًا سياحية وليست منحًا علمية.. وهذا صحيح ولا ينكره أحد. لكن علينا في ذات الوقت أن ندرك بأن الكثير منهم أيضا يستغلون هذه المنح من الناحية العلمية أحسن استغلال.
ثم ماذا يهمّ الوزارة في آخر المطاف من كل هذه المنح؟ أليس الإنتاج العلمي والزيادة في نوعيته وكميته؟ وما دام الأمر كذلك، فأي دور تؤديه كل هذه التوقيعات والتعقيدات الإدارية؟ أليس الأجدر أن نحكم على جدّية الطلب من خلال ما أنتجه هذا الأستاذ أو ذاك؟
معايير كافية دون إهانات
من المعايير الإيجابية التي تبناها هذا القرار، والتي نجدها وافية وكافية، نذكر :
– “المنشورات الدولية خلال السنوات الثلاث الأخيرة/ مقالتان على الأكثر (30 نقطة على الأكثر)”، وكذا المنشورات الوطنية خلال السنوات الثلاث الأخيرة (12 نقطة على الأكثر)؛
– “المداخلات الدولية خلال السنتين الأخيرتين /4 مداخلات على الأكثر (16 نقطة على الأكثر)، وكذا “المداخلات الوطنية خلال السنتين الأخيرتين/4 مداخلات على الأكثر (8 نقاط على الأكثر)”؛
– نشر عمل علمي مطبوع خلال السنوات الثلاث الأخيرة (30 نقطة على الأكثر)؛
– تأطير المذكرات والرسائل الجامعية (30 نقطة على الأكثر)؛
– براءات الاختراع خلال السنتين الأخيرتين (20 نقطة)؛
– النشاطات خلال السنوات الأربع الأخيرة (16 نقطة).
هل هذه التحريات فيما يقوم به الأستاذ خلال السنوات الماضية لا تكفي لتقييم مدى جديته في أداء مهامه، وبالتالي ترتيبه بين زملائه في قائمة الاستحقاق؟ وهل يتطلب الأمر تقديم مخطط عمل موقّع من قبل الأجنبي، وشهادة من الأجنبي بأن الأستاذ قضى فترة الإقامة إلى جانبه؟!! إنه لعبث كبير، وانغلاق فكري، وإصرار على إهانة الأستاذ الجامعي لا يضاهيه إلا تعامل المستعمر مع “الانديجينا”.
وهذا الانغلاق يزداد تجلّيًا عندما نقرأ المقطع التالي في قرار الوزير : “لا يتم الإعلان عن قوائم المستفيدين إلا بعد المصادقة عليها من طرف اللجنة الوطنية للتكوين وتحسين المستوى بالخارج”!!
لنتصوّر “لجنة وطنية” تدرس مئات، بل آلاف الطلبات، منها من يطلب بضعة أيام للمشاركة في مؤتمر، ومنها من يطلب أسبوعا لإقامة علمية، ومنها من يطلب شهرا للتربص…!! كل تفاصيل ذلك ستنظر فيها “لجنة وطنية”، وستتأكد مما إذا كان الأستاذ نشر فعلا في صنف معيّن من المجلات، وتتحقق من أنه أصدر مطبوعة جدّية خلال السنوات الماضية، ومن أن مجموع العلامات في بطاقة التقييم خال من الأخطاء، ومن جدّية مخطط العمل، ومن أن وثائق طالب الدكتوراه مقبولة، إلخ!! ثم نترّب هؤلاء “المساكين” حسب الاستحقاق، وننشر قائمة المستفيدين على موقع الوزارة بتوقيع “اللجنة الوطنية”!!
كم سيكون عدد أعضاء هذه “اللجنة الوطنية”؟ وكم سيكون عدد اختصاصاتها ليحكم الأعضاء بنزاهة ودراية على أقرانهم؟ وكم من وقت ستتطلبه العملية؟ وهل سيتوافق تاريخ صدور قائمة المستفيدين مع التواريخ المحددة في ملفات الطالبين؟ وهل ستمنح لهم الوثائق في الوقت المناسب ليتم التنقل إلى الخارج في وقته؟!! نحن واثقون بأن ذلك لن يتم أبدًا. ودليلنا البسيط على ذلك أن وزارتنا عاجزة حتى عن التحكم الإلكتروني في استقبال مشاريع البحث، ناهيك عن متابعتها في وقتها.
لقد عاد زمن البيروقراطية والمركزية القاتلة بقوة… للتركيز لا على الإنتاج العلمي ونوعيته، بل على إهانة الأستاذ بكل الوسائل المتاحة؟ فأي أستاذ هذا الذي سيقبل بهذه المهانة؟!