-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من المطبخ إلى الإنعاش... رحلة تبدأ بوجبة فاسدة

وسط سباق بين الغش والرقابة… التسممات الغذائية تلاحق الجزائريين

سمير مخربش
  • 121
  • 0
وسط سباق بين الغش والرقابة… التسممات الغذائية تلاحق الجزائريين

عادت التسممات الغذائية إلى واجهة الأحداث، حاملة معها الحديث عن الضحايا وسط حالة من الهلع بين المستهلكين. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الإقبال على الوجبات السريعة، والمثلجات، والمشروبات الباردة، والأعراس والمناسبات، ترتفع في المقابل مخاطر فساد الأغذية بسبب سوء الحفظ أو الإهمال أو الغش، لتتحول وجبة يفترض أن تكون وسيلة للمتعة إلى سبب للدخول إلى المستشفى، وربما إلى المقبرة.

تبقى ولاية سطيف، باعتبارها من أكبر الولايات من حيث الكثافة السكانية والحركة التجارية، وعاصمة اقتصادية تستقبل آلاف الزوار يوميا، نموذجا يعكس حجم هذا التحدي. فالانتشار الكبير للمطاعم ومحلات الوجبات السريعة وقاعات الحفلات، يقابله عمل متواصل لمصالح الرقابة من أجل تفادي وقوع كوارث صحية، في وقت لا يزال فيه بعض التجار يغامرون بصحة المواطنين سعيا وراء أرباح سريعة.

العامل المشترك في معظم حوادث التسمم الغذائي هو الإهمال. فبينما يتهافت المواطنون على اقتناء الأغذية الجاهزة والمنتجات سريعة التحضير، ينشط بعض التجار عديمي الضمير في تسويق مواد منتهية الصلاحية، أو مواد لم تحفظ في درجات الحرارة المناسبة، أو لحوم مجهولة المصدر، أو مكونات فقدت صلاحيتها منذ أيام، من دون أدنى اعتبار لما قد تخلفه من مضاعفات صحية خطيرة.

وتؤكد التدخلات المتكررة لفرق الرقابة أن بعض المحلات تحولت إلى بؤر محتملة للتسممات، حيث يجتمع الغش مع انعدام النظافة وسوء التخزين، في صورة تعكس الوجه الخفي لعالم لا يراه المستهلك.

“الفاست فود”… ما لا يراه الزبون في الخلفية

في أوقات الذروة، تصطف الطوابير أمام محلات الشاورما، والشاباتي، والهامبرغر، والسندويتشات، فيما يتحرك العمال بسرعة كبيرة لتلبية الطلبات، لكن ما يجري خلف أبواب المطابخ يبقى في كثير من الأحيان بعيدا عن أعين الزبائن.

هناك، في الخلفيات الضيقة، قد تتحول قواعد النظافة إلى مجرد شعارات، بينما تتكدس بقايا الطعام، وتتراكم الدهون على الجدران والأرضيات، وتتحول الأواني إلى أدوات سوداء من كثرة الاستعمال من دون تنظيف كاف، فيما تصبح درجات الحرارة المرتفعة بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا.

ويؤكد مختصون في التغذية أن أخطر المواد المستعملة في الوجبات السريعة هي اللحوم المفرومة، والدجاج، والبيض، والصلصات، لأنها سريعة التلف وتتطلب سلسلة تبريد يجب احترامها ولا يجوز كسرها ولو لساعات قليلة.

ويشير الدكتور عبد القادر علياط، أخصائي في التغذية في تصريح للشروق اليومي إلى أن “معظم البكتيريا المسببة للتسممات لا تغير لون الطعام ولا رائحته، لذلك قد تبدو الوجبة سليمة تماما، لكنها تحمل ملايين الجراثيم القادرة على إحداث مضاعفات خطيرة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن. ومن بين أخطر الممارسات التي تتكرر، استعمال البيض المكسور الذي يفترض أن يتلف مباشرة، غير أن بعض التجار يشترونه بأسعار زهيدة ويستعملونه في تحضير الصلصات والعجين والوجبات المختلفة، وهو ما يشكل خطرا صحيا كبيرا بسبب سهولة تلوثه بالبكتيريا”، ويضيف محدثنا “لا يقتصر الأمر على البيض، بل يمتد إلى إعادة تجميد اللحوم بعد ذوبانها، واستعمال الزيوت المحروقة مرات عديدة، والاحتفاظ بالصلصات خارج أجهزة التبريد، وهي ممارسات تتسبب دوما في كوارث لا تحمد عقباها”.

ولا تزال ولاية سطيف تحتفظ بذكرى واحدة من أكثر حوادث التسمم الغذائي إيلاما، عندما توفي الطفل تيم عليوس، البالغ من العمر 14 سنة، بعد عشرة أيام قضاها في مصلحة الإنعاش بالمستشفى الجامعي، إثر إصابته بتسمم غذائي خطير رفقة عشرات الأشخاص عقب تناولهم شطائر “شاباتي” بأحد محلات الأكل السريع بحي عين موس.

الحادثة التي أصيب فيها 31 شخصا، أثبتت التحاليل بشأنها أن السبب يعود إلى سوء حفظ المواد الحساسة المستعملة في تحضير الوجبات، لتنتهي بغلق المحل ومتابعة صاحبه قضائيا، لكنها بقيت جرحا مفتوحا في ذاكرة سكان الولاية، ودليلا على أن الاستهتار بقواعد النظافة قد تكون نهايته وفاة إنسان.

ويقول أحد الزبائن، أنه أصبح يتجنب اقتناء الوجبات من أي محل لا تبدو عليه علامات النظافة، مضيفا أن “المستهلك أصبح يعيش حالة من الشك، فلا أحد يعرف ما الذي يحدث داخل المطبخ.”

في المقابل، يؤكد صاحب مطعم للوجبات السريعة، أن الأغلبية تحترم شروط النظافة، وأن المحافظة على مستوى صحي جيد أصبحت مكلفة بسبب ارتفاع أسعار مواد التنظيف والتجهيزات، لكنه يقر بأن وجود عدد قليل من المخالفين يسيء إلى سمعة القطاع بأكمله.

قاعات الأفراح… الولائم الكبيرة والمخاطر الأكبر

لا تتوقف مخاطر التسممات عند المطاعم، بل تمتد خلال فصل الصيف إلى قاعات الحفلات التي تعرف نشاطا استثنائيا مع الأعراس والمناسبات العائلية. وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بتحضير مئات الوجبات دفعة واحدة، حيث يصبح الحفاظ على سلسلة التبريد تحديا حقيقيا، خصوصا بالنسبة للحوم، واللحم المفروم، والدجاج، والحلويات، والفواكه سريعة التلف. وتتصدر فاكهة “الدلاع” قائمة المنتجات التي أصبحت تثير تخوف المستهلكين خلال الآونة الأخيرة، بعد ما ارتبط اسمها بعدد من حوادث التسمم، رغم استمرار حضورها بقوة على موائد الأعراس.

ويرى مختصون أن الخطر لا يكمن في نوع المادة الغذائية بحد ذاتها، وإنما في طريقة حفظها، ونقلها، ومدة بقائها خارج أجهزة التبريد قبل تقديمها للضيوف.

ويقول طباخ الأعراس بسطيف السيد مراد حداد في تصريح لـ”الشروق اليومي”: “إن تجهيز مئات الوجبات في وقت واحد يتطلب انضباطا صارما، لأن أي خطأ بسيط في التخزين أو النقل قد يؤدي إلى إصابة عشرات الأشخاص في وقت واحد، وهو ما يجعل مسؤولية أصحاب القاعات مضاعفة”.

رقابة استباقية لمحاصرة بؤر التسممات

أمام هذه المخاطر، كثفت مديرية التجارة لولاية سطيف هذه الأيام خرجاتها الميدانية ضمن البرنامج الوطني للتحسيس والوقاية من التسممات الغذائية، تحت شعار “اجعل التغذية السليمة أسلوب حياة دائم”.

وشملت الحملات الأخيرة قاعات الحفلات عبر مختلف بلديات الولاية، حيث تم تذكير المسيرين والعاملين بضرورة احترام قواعد النظافة، والمحافظة على سلسلة التبريد، واستعمال مواد أولية سليمة، والالتزام بشروط الحفظ والنقل والعرض، بما يضمن سلامة المستهلك.

كما تواصلت العمليات الميدانية بعين ولمان، بالتنسيق مع مصالح الأمن ومكاتب حفظ الصحة، واستهدفت المطاعم، ومحلات الوجبات السريعة، ومحلات بيع اللحوم والدواجن والمواد الغذائية، حيث ركزت فرق الرقابة على مراقبة النظافة، واحترام شروط الحفظ، والإشهار بالأسعار، وقراءة الوسم الغذائي، إلى جانب توزيع مطويات توعوية لفائدة التجار والمستهلكين.

وامتدت الحملات كذلك إلى بلدية بوقاعة، أين شملت المطاعم والمقاهي، مع التأكيد على ضرورة التقيد بقواعد النظافة واحترام المعايير الصحية خلال تحضير الأغذية وتخزينها وعرضها.

ويرى مختصون أن الرقابة وحدها، مهما كانت صارمة، لا تكفي للقضاء على الظاهرة، لأن المستهلك يبقى الحلقة الأولى في الوقاية، من خلال اختيار المحلات النظيفة، والابتعاد عن الوجبات المعروضة في ظروف مشبوهة، وعدم اقتناء المواد مجهولة المصدر أو التي لا تحترم شروط الحفظ.

ويبقى السؤال مطروحًا مع كل صيف: كم من الضحايا يجب أن يسقطوا، وكم من حوادث تسمم ينبغي أن تتكرر، حتى يتحول احترام قواعد النظافة إلى ثقافة راسخة، لا مجرد التزام موسمي تفرضه حملات الرقابة؟ فصحة المواطنين لا تحتمل المغامرة، والربح لا يمكن أن يكون مبررا لتعريض حياة الناس للخطر، لأن وجبة واحدة فاسدة قد تنهي حياة إنسان، كما حدث مع الطفل تيم عليوس، وتترك وراءها مأساة لا تمحى من الذاكرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!