-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من‭ ‬بعيد

‭”‬مانديلا‭” ‬وميراث‭ ‬الرسول‭.. ‬وعرب‭ ‬الفتنة‭ ‬

‭”‬مانديلا‭” ‬وميراث‭ ‬الرسول‭.. ‬وعرب‭ ‬الفتنة‭  ‬

في خضم انشغالي بإصدار العدد الثاني من مجلة “الإعلام والعصر”، وصلتني رسالة عبر بريدي الإلكتروني من الأستاذ “أحمد بورتيمة”، أهداني فيها رسالة للمناضل الزعيم نيلسون مانديلا، كان قد وجهها إلى ثوار تونس ومصر، ينصحهم فيها باتخاذ المصالحة سبيلا.

  • قرأت الرسالة، وعدت للاطلاع عليها في كثير من المواقع، وانتهيت إلى النتيجة التالية: إن هناك قطاعا واسعا من العرب يتمنى أن تضع الحروب الدائرة في المنطقة العربية أوزارها، لكن هذا التمني يصعب تحوله إلى فعل لسببين، أولها: أن أمرنا لم يعد في أيدينا ولا حتى في عقولنا،‭ ‬والثاني‭: ‬أن‭ ‬سواد‭ ‬الكراهية‭ ‬عمّ‭ ‬الأنفس،‭ ‬فعمت‭ ‬القلوب،‭ ‬ومن‭ ‬بقي‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل‭.‬
  • هنا يمكن العودة إلى رؤية نيلسون مانديلا للمصالحة، والتي جاءت من تجربة طويلة قضاها مناضلا من أجل حقوق شعبه، وليس من أجل حقوقه الخاصة، وجسّدها تطبيقا في بلاده، حتىّ وصلت إلى ما هي عليه الآن.
  • جسدها أيضا نظريا في مقولات، من أهمها تلك التي جاءت  في رسالته ـ التي تحدثت عنها في بداية المقال، حين أنهاها بالقول: أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، لكن الأمر الذي قد يكون غائبا عن ذهن مانديلا هو أننا لو كنا حقا أتباع نبينا ـ عليه الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬ـ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬حالنا،‭ ‬ولا‭ ‬كان‭ ‬بأسنا‭ ‬بيننا‭ ‬شديدا‭.‬
  • المهم هنا، ان الرسول ما كان ينطق عن الهوى، ولا يأمر بغيري ما فيه صلاح الدنيا وحسن العاقبة في الآخرة.. هكذا يتجلى لنا من جديد، ويدرك حكمته أهل العقول النيرة، وقاعدة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” يعم خيرها البشر جميعا، وتذهب بعيدا في عمق الزمان لتجمع التجسيد العملي للإيمان، مع بدايات البناء الحضاري في مساحة مشتركة تؤكد معنى الاستخلاف في الأرض، وغياب تلك القاعدة الإيمانية يعني الخراب والدمار سواء أكان ذلك الغياب بسبب بطش الحكام وظلمهم وفسادهم، أو بسبب غوغاء وضلال وفجور المحكومين.
  • من ناحية أخرى، فإن الأنفس التواقة إلى الحق والعدل والحرية، تعيش عصر النبوة، مع أنها لم تتزامن معه، فرسالة مانديلا إلى الثوار العرب، نهايتها جاءت في هذا السياق، وهذا يعني أن المسلمين اليوم يواجهون وضعا كارثيا بكل المقاييس، لأنهم تخلوا عن دور الشهادة لجهة التحضير‭ ‬لسؤال‭ ‬يوم‭ ‬الدين‭: ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬تكونون‭ ‬شهداء‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الرسول‭ ‬عليكم‭ ‬شهيدا؟‭. ‬
  • الميراث النبوي في حكمته ونورانيته وصلاحه، اهتدى إليه الزعيم مانديلا، وغفل عن ذكره غالبية علماء المسلمين، الذين يناصرون الثورات، أو يتغاضون عن ذكر سلبياتها، ذلك لأنهم نتاج الحقد والكراهية.. لم يكن حكامنا فاسدين فقط، بل عمنا الفساد جميعا، وأصبح منهج حياة، ومع ذلك نجد عالما جليلا مثل عائض القرني يدعو مانديلا إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ـ وهو محق في ذلك من منظور الإيمان ـ ولم يسأل كيف للرجل أن يكون في زمرة من اختاروا أن يتحالفوا مع كل قوى الشر لتدميرأمتهم؟.. ألا يتناقض هذا مع تاريخه النضالي، من أجل حرية‭ ‬شعبه؟
  • موقف مانديلا يأتي أيضا من رؤيته للحياة، فقد جاء في المقال الشهري للإعلامي “مدني عامر” في مجلة الإعلام والعصر ـ العدد الثاني يوليو2011 ـ والذي يحمل عنوان “بين الصحافي والسياسي” أنه سأل مانديلا في سياق حديث للتلفزيون ـ عند زيارته للجزائرـ  بعد أيام فقط من الإفراج‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬فبراير‮ ‬1990‮:‬‭ ‬
  • ـ‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬الصفح؟‭.. ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬النسيان؟
  • قال‭ ‬مانديلا‭: ‬الأبيض‭ ‬كان‭ ‬وسيظل‭ ‬سيد‭ ‬الألوان
  • سأله‭ ‬مستغربا‭: ‬كيف؟
  • أجابه‭ ‬مانديلا‭: ‬الغد‭ ‬أبيض‭.. ‬القمر‭ ‬أبيض‭..‬‮ ‬القدر‭ ‬أبيض،‭ ‬والصفح‭ ‬أبيض،‭ ‬والمستقبل‭ ‬يبدأ‭ ‬بصفحة‭ ‬بيضاء‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭.‬
  • سأله‭: ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬المصالحة؟
  • قال مانديلا: إن الحب يولد من نفس القلب، الذي يعشعش فيه الحقد، فليس علينا ان نغير قلوبنا، بل علينا ان نغير شعورنا، والمصالحة تبدأ بالصفح، ولكن من دون محو ما كان، فالإبقاء عليه ذكرا في الناس وذكرى، يحول دون أن يتحول الحقد من جديد إلى بذرة، ثم إلى الغابة التي‭ ‬تخفيها‭ ‬الشجرة‭.‬
  • بناء على الرأي السابق يمكن لنا معرفة النفوس البيضاء، التي لا تبتهج بانتصار في جولة أو معركة تتبعها جولات ومعارك أخرى دامية.. قلوب لا يسكنها الحقد فتصبح مريضة، إنما تسعى لتكون واعية تحضيرا ليوم الفزع الأكبر، حيث الحسم على أساس القلب السليم.
  • ما كان لـ )مانديلا( أن يتوجّه برسالته تلك إلى من يعتقد أنهم ثوار، دون أن يكون قد آلمه ما يحدث في الدول العربية، ولا يبدو في الوقت الراهن استعداد المنتفضين من الاستجابة له، لأن رهن العمر كله من أجل قضية كبرى، يختلف من ناحية الصبر عن المواجهة للأيام قليلة في الميادين أنتجت وتعيد إنتاج الفساد، وترثها اليوم جماعات ستكون، كما نراها من خلال طرح ثقافة الانتقام، أشر خلف لأشر سلف، وإن أبدت غير هذا، كونها تأتي محملة بميراث الأهواء، وبالطغيان نتيجة الاستغناء.
  • مهما يكن فإن هناك أصوات ترفع وتجمع على رفض الفتنة في الدول العربية ـ تأتي في الغالب من المجتمعات التي تشترك معنا في تاريخ مقاومة الاستعمار بكل أنواعه ـ تقابل بالرفض أو التجاهل من الذين يعيشون على أمل أن تكون الانتفاضات، أو كما يسوها الثورات، بديلا عن كل القيم،‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬أعادت‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الوثنية‭.‬
  • ترى من هو أحق بميراث الرسول ـ عليه الصلاة والإسلام ـ؟.. أكثرة من أتباعه تدخل عالم الفتنة أم قلة تحارب على أكثر من جبهة؟.. أم أن مهتمنا أن نتعظ ونتفاعل مع تجليات ذلك الميراث، الذي يستقي منه عقلاء البشر مواقفهم وفهمهم للحياة؟.
  • نعيد التأكيد مرة أخرى على أن مرجعيتنا في الحكم على المواقف والأفعال هو الإسلام، لذا على الذين يدعمون الحرب في ليبيا ويقفون ضدها في سوريا مثلا أن يتقوا الله، أو على الأقل أن يتفاعلوا إيجابيا مع الذين اكتووا قبله بنار الحرب.. أعرفتم الآن لماذا نرفض هذ الفتنة حتى لو حققت انجازات الثورات الكبرى، وهي لن تكون، وأغلب الاحتمالات ستعيد انتاج حرب داحس والغبراء في صورة معاصرة، للغرب دور فيها، مثلما كان تأييده المطلق لأنظمة باعت نفسها للشيطان، واشترتها القوى العالمية بأبخس الأثمان.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • بدون اسم

    يا خالد هلا حاولت مراجعة كرونولوجيا الأحداث فقط ؟
    أعترف بأنك تكره ما يجري في الأوساط العربية..
    لكن هل عندما قامت أولى الأحداث في تونس.. قامت بحرق و تدمير المنشآت ؟
    اسمحلي أنا لا أروج للعنف.. ولكن هل عندما نهضت أناس مدن كثيرة تطالب بحقوق معيشية بحتة و "بصور سلمية" كان أبلغها رفع شعار "خبز و ماء و بن علي لا" أجابها نظام بن علي بنعم؟ طبعا لا.. لأنه أجابها بلغة الرصاص .. و لا تقل لي بأن ما حدث في مصر غير الذي حدث في اليمن و غير الذي حدث في ليبيا و غير الذي حدث في سوريا و غير وغير.. كلنا في الهواء سواء.
    السؤال بسيط كيف ولماذا بدأت و كيف و لماذا تتواصل.
    سلام.

  • بدون اسم

    نعم لك الحق فيما قلته

  • دكتور سعيد

    سلمت يمينك استمر ولا يجرمنك شنئان قوم ان تستمر ...انت يسمه الضياء فى عالم الفجور الاعلامى والنفاق الثورى استمر لعل الله يفتح بسببك عقول اغلقتها مزاعم البطوله ووهم الزهو والفخر بما هو ليس موجود على الواقع وفقك الله