تفريغ العربية من خصوصياتها

date 2016/10/05 views 1712 comments 0

لم تتميز العربية بكثرة مفرداتها عما سواها من اللغات فقط، الأمر الذي يتجلى في قدرتها على الإيجاز والتعبير الدقيق بأقل عدد من المفردات عكس كل لغات الناس.. ولم تمتز العربية عن سواها بأبحر شعرها وبموازين موسيقاها ورفع قيمة الشعر ليصبح ديوان أهلها وبإتقان صناعة الأدب فيها فقط، ولم تتبوأ مكانتها العالمية في القدرة على التواصل والاستمرار والانتشار، لأنها حاملة الدين والرسالة فقط، فرسالات الله سبحانه السابقة حملتها لغات أخرى ورغم ذلك لم تستمر ولم تنتشر، فكم مسيحي اليوم في العالم يتكلم أو يعرف لغة اليهودية والمسيحية، فلقد تحولت تلك اللغات إلى المتاحف ونتج عن ذلك التحريف والترجمة الخطأ..

لم تكن العربية لغة فلسفة وإن تسللت إليها الفلسفة بخفة وهدوء ولم تكن لغة تعاليم ومواعظ بشكلها المباشر وإن تسربت إليها أساليب الوعظ والتعاليم.. فما هي الخاصية التي حفظت للعربية استمرارها وانتشارها، بل وقدرتها على حمل أقوام وشعوب أخرى إلى حاضنتها الثقافية ولسانها المبين فأصبحت معاقل الدفاع عنها في كثير من الأحيان في غير محاضنها الأصلية؟

إن التأمل في هذه المسألة يكشف عن أسرار جميلة وبديعة يحتاج تدبرها إلى روية وفطنة وترتيب لئلا نقع في مغبة التعميم والاضطراب فنضع النتائج في منزل المقدمات ونتناول الحواشي كمتن، وهنا نفقد القدرة على الاستفادة من هذه النعمة الكبيرة ونفقد الرؤية لتنميتها والسير بها إلى أهدافها الطبيعية.

لقد حددها محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها: اللسان.. فالعربية اللسان بما تعنيه من ثقافة بكل أصنافها.. ومن هنا نسرع إلى القول أن اللغة العربية حاملة قيم وبنية ثقافية خاصة هيأ لها المولى سبحانه الحاضن لتترعرع في مناخات مواتية فيعلو فيها شأن الأخلاق والقيم والمروءة بكل عناوينها من كرم ونبل وسمو وفروسية وعطاء ونخوة وفداء وأمانة وصدق وصون العرض وعزة النفس والغيرة وإغاثة المظلوم في منظومة متكاملة، لها سلطان اجتماعي حاكم وهي ما أشار إليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. فحملت العربية الإسلام بعد ان استقامت مبنى ومعنى فكانت خير حامل له بما تضمنته من قيم تصلح تماما لقيمومته وهو يرتقي بالإنسان إلى أرقى مصاف الإنسانية ورافقته تصيغ ألسنة الناس وتقعد لتعاليمه بآدابها ومناخاتها الثقافية ما يفسح له المجال للتحرك نحو قلوب الناس وعقولهم وسلوكهم فحدثت المعجزة الكبرى في انتشاره المذهل وحيويته واستقامته وعدم تفسخه ما حصل لأتباع الرسالات السابقة.

ومن هنا بالضبط نكتشف خطورة المعركة في ميدان اللغة، فالمسألة ليست أبجدية الضاد ولا كلمات مفرغة من مدلولاتها وسياقها الحضاري كما يفعل الآن في كل الدول العربية في تدريس اللغة العربية على طريقة تدريسها في مراكز الاستشراق والمخابرات الغربية.. هنا تكمن المهمة الحضارية في استعادة العربية لمضامينها ومدلولات كلماتها وسياقاتها الخاصة أي بإيجاد الحاضنة اللغوية المناسبة لفهم القرآن والرسالة، ولعل هذه النقطة هي البداية في نهضتنا من جديد.. أي إيجاد الالتحام بين القيم والرسالة، ومن هنا كان كلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "من جاءكم ترضون دينه وخلقه"، أي من حمل لكم في منهجه الإسلام محمولا على قيم تعارفتم عليها كمنظومة قيم، فهل آن الأوان لتحديد نقطة الانبعاث الحضاري.. تولانا الله برحمته.

  • print