النظام التربوي الجزائري.. جردة حساب

date 2016/10/13 views 1066 comments 2
حسن خليفة

.. حتى الآن، وقد مضى أكثر من شهر على الدخول المدرسي الجديد، ما الذي يمكن تسجيله وحسابه، في ضوء الجدل الكبير الذي قام ـ وما يزال ـ حول النظام التعليمي في وطننا، وصولا إلى لقاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمسؤولي وزارة التربية في لقاء شابَهُ توترٌ كبير.. وانتهى إلى تصريحات أكدت وجود الاختلالات المختلفة، المتوالدة، بدءا من العزم على التدريس بالعامّية.. إلى تسريبات البكالوريا التي "مسّت" سُمعة الشهادة وسُمعة الوطن قبل ذلك، وانتهاء بالخطايا الكثيرة في كتب الجيل الثاني التي بدا عوارها في الظهور منذ اللحظات الأولى التي تم فيها توزيعها...

وقد أشارت بعض الصحف إلى أخطاء بالمئات (500 خطأ حسب الشروق)،  لكن الأخطر فيها ما ذكره بعض الكُتاب من كون معدّي الكتب من غير ذوي المؤهلات المطلوبة، وقد تحدث بعضهم في القنوات وظهرت "النقائص" حية تُرزق، فلا تمكّن، ولا اقتدار، ولا كفاءة... إذن كيف جيء بهم.؟

جردة الحساب هذه تستهدف التذكير والتأكيد على أن المنظومة التربوية الوطنية متحققة النكبة للأسباب التالية على الأقل:

- مستوى التعليم والتحصيل فيها ضعيف للغاية، قياسا بالسنوات والعقود الماضية، وقياسا إلى مستويات مجتمعات أخرى قريبة وبعيدة، و"قياس المستوى" هو أهمّ مكوّن من مكوّنات التعليم الجيد،  ومستويات تلاميذنا ـ على العموم ـ ضعيفة للغاية، وحتى من يلتحقون ويلتحقن بالجامعات يبدو فيهم وفيهن ملمح الضعف بوضوح، وهذا لا يساعد أبدا في بناء جيل "متكوّن" قادر على تحمّل أعباء المسؤوليات المختلفة التي تنتظره مستقبلا.

- الاختلال في خريطة المنظومة ظاهر بيّن، وما المشكلات التي رافقت الدخول المدرسي إلا برهان على أن القطاع يعاني أشد المعاناة: نقص التأطير، عدم اكتمال البناءات المدرسية، قلة المؤطرين في مختلف المستويات، اكتظاظ  الأقسام، نزوع (حتى لا أقول هروب) كثرة كاثرة من الإطار البشري إلى التقاعد، وهو ما أوجد فراغا كبيرا في الكادر البشري من معلمين وأساتذة وإداريين (هناك مئات من المناصب الشاغرة..)، وما يزال المشكل المتصل بالتقاعد قائما، وألوف من التربويين يندفعون إلى الخروج لأسباب مختلفة، ولكنها ذات تأثير مدمّر في كل الأحوال، إذ بخروج هؤلاء من أهل الخبرة والقدرة على التسيير والتعليم ستؤول الأمور إلى مزيد من الضعف والعجز، مما سيؤثر على النتائج في المجمل كمّا ونوعا.

- إلى جانب هذا ثمة مشكلة الناجحين والناجحات الجدد في المسابقات المختلفة التي شابتها كثيرٌ من "العاهات" التي رافقتها، لكثرة المشاركين والمشاركات، ولوجود نمط تسيير رديء يتكئ على المحسوبية "المعريفة"، ويستند إلى أصول عمل من نوع آخر وهو المحاباة وما جاورها من سيئات ورذائل، وهو ما يسمح بوجود عناصر غير قليلة من غير المؤهلين في القطاع، لتكون النتيجة ـ كرة أخرى ـ ترسيخ الرداءة، وهذا أمرٌ نسمعه من الموجودين في الميدان يوميا.

- التكوين الذي يُزعَم أن هؤلاء الأساتذة الجدد يتلقونه ليس سوى أمر ضئيل قليل النفع، لا يكفي لترقيع الأعطاب الكثيرة الموجودة في تكوين هؤلاء الأساتذة المهلهل أساسا، وقد تخرّجوا من الجامعة دون زاد علمي ـ معرفي حقيقي؛ لأسباب يطول شرحها هنا؛ ولأن الجامعة أيضا مريضة، ولا بدّ لها من علاجات متعددة لتتعافى وتكون قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة النخبة كما ينبغي أن تكون.

- وإذا أضفنا إلى هذه الأمراض العضوية الثقيلة أمورا وشؤونا أخرى، وجدنا أنفسنا أمام إشكال تربوي بشع متعدِّد الرؤوس،  يمكن ـ بكل موضوعيةـ تشخيصه بأنه: إشكال علمي، تربوي، تكويني متعدِّد الأوجه، وهو بدوره نتيجة لأسباب متعدِّدة سابقة لعلّ أهمها:

لا ندري بالضبط ما هي المعايير التي يُحتكم إليها في تعيين المسؤولين على رأس وزارات استراتيجية كوزارة التربية؟  وما هي الكفاءات التي يتميّز بها هؤلاء الذين أو اللائي يُراد منهم قيادة سفينة عظيمة كسفينة التربية والتعليم؟

أـ التسيير غير التربوي للقطاع، فالتسيير التربوي ليس مجرَّد تسيير عادي، بل هو تسيير إنساني، إداري متميِّز بخصوصياته وضوابطه، وهو غير متوفر بشكل واسع لدينا في المنظومة، أفقيا وعموديا.

ب ـ عدم وضوح الأهداف الخاصة من التربية والتعليم؛ بسبب الاختلافات المتعددة، والتجارب المتعددة أيضا، وقد اتضح أكثرها في الآونة الأخيرة من خلال الإرادة القوية في تنفيذ "الإصلاحات" التي ستنتهي بنا إلى دمار كبير في الأخلاق والهُوية ومشروع المجتمع،  والإعداد للمستقبل القريب والبعيد. 

ج ـ إسناد هذا الشأن الاستراتيجي السيادي إلى فئات لا صلة لها بواقع الوطن ولا بتاريخه ولا بمبادئه منذ أزيد من عقدين من الزمن على أقل تقدير، دون أن ندري بالضبط ما هي المعايير التي يُحتكم إليها في تعيين المسؤولين على رأس وزارات استراتيجية كوزارة التربية؟ وما هي الكفاءات التي يتميّز بها هؤلاء الذين أو اللائي يُراد منهم قيادة سفينة عظيمة كسفينة التربية والتعليم؟

 وبقطع النظر عن كل ما قيل ويُقال في من تقلّدوا دفة إدارة وتسيير الشأن التربوي، فإن النتائج كانت كارثية بكل المقاييس، تبدو في هذا الإخفاق المستمر في مجال نوعية التكوين، وعدم تلبية الاحتياجات الأساسية للناشئة الجزائرية، والبعد عن تقديم الإشباع الحضاري القيمي لهم، ليكونوا في مستوى التطلعات، وأكثر وأخطر من ذلك البعد عن الاستجابة لتطلعات الشعب الجزائري في نظام تربوي كفء أصيل يُعدُّ للحياة وللتقدم والازدهار؛ فـأقصى ما نصل إليه هو نسبة أقل من عادية من النجاح ـ أقل من خمسين بالمائةـ معظمهم أقل من المتوسط، دون الحديث عن الراسبين والراسبات، ودون الحديث عن مستقبل حقيقي للناجحين والناجحات؛ حيث يتوقف طموحُهم بعد سنوات من الدراسة الباهتة، لينتهي بهم الأمر بالانضمام إلى جيوش العاطلين والعاطلات.. أقصى أمانيهم الحصول على مكان ضمن مصفوفة "تشغيل الشباب الجامعي" كعبء إضافي في المؤسسات المختلفة، ينطفئون ببطء، وتموت أحلامهم بين صدورهم.

إن النظرة الصادقة الثاقبة للشأن التربوي الوطني تقتضي في أقل ما يمكن العمل على سد الاختلالات السابقة، والعمل بجد وصرامة وصدقية على سدّ الثغرات المفتوحة الكثيرة وملء الثقوب الكبيرة في النظام التعليمي، قبل الاهتمام بما يُهتم به الآن وهو "الغراس الإيديولوجي" والسعي لتثبيت قَدم "العولمة" أو الفرْنسة في عقول وقلوب أبنائنا، ودعوتهم إلى "التأقلم" مع المستجدّات ومسايرة ركب المدنية المزعومة، بتقليص المضامين الإسلامية، و"نتف ريش" التربية والتاريخ والجغرافيا والتنقيص من العربية والتزيّد المبالغ فيه في الفرنسية، والزعم بأن الرافضين للإصلاح ـ أو لإصلاح الإصلاح ـ بعثيون، وأصوليون، وظلاميون، ومقاومون للتغيير...

وللحديث بقية...

  • print