مؤاخَذات على مشروع صندوق الزّكاة

date 2016/10/14 views 1354 comments 0

مشروع صندوق الزّكاة هو مشروع اجتماعيّ إسلاميّ تبنّته بعض الدّول الإسلاميّة، لإحياء فريضة جمع الزّكاة وتوزيعها، وبدأ في الجزائر –متأخّرا بعض الشّيء- كفكرة راودت بعض الخيّرين، لقيت الاستحسان والتّشجيع، وتجسّدت على أرض الواقع، بسواعد الأئمّة الذين تبنّوا هذا المشروع وتحمّسوا له، وسعوا في تقديمه إلى المجتمع ليحظى بثقة أصحاب الأموال والمزكّين.

هذا المشروع الخيّر وعلى الرّغم من مرور أكثر من 13 سنة على إطلاقه، لا يزال بعيدا عن الأهداف التي سطّرت له، ولم يستطع كسب ثقة شرائح كبيرة في المجتمع، خاصّة أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، الذين يفضّل بعضهم إيصال زكاة أموالهم إلى الفقراء مباشرة، بينما يرفض كثير منهم إخراجها بحجّة أنّ الدّولة تثقل كواهلهم بالضّرائب التي ربّما تفوق ما يجب عليهم من زكاة بأضعاف مضاعفة!

وفي هذا الصّدد، يرى بعض الأئمّة أنّ صندوق الزّكاة في حاجة إلى إعادة النّظر في كثير من آليات عمله، ليحظى -على الأقل- بثقة صغار المزكّين، والفئة المتوسّطة من أصحاب رؤوس الأموال، ويسجّلُ ذاتُ الأئمّة مؤاخذات كثيرة على آليات عمل هذا المشروع، طُرحت على مستوى مديريات الشّؤون الدينيّة، لتُرفع إلى الجهات الوصيّة، لعلّها تؤخذ بعين الاعتبار، لكنّ هذه الجهات لا تزال مصرّة على إهمال هذه المقترحات، التي تأتي في مقدّمتها ضرورة إجاد حلّ للتّأخّر المسجّل في إيصال الأموال إلى مستحقّيها؛ فمع أنّ تحصيل أموال الزّكاة يبدأ في شهر محرّم، إلاّ أنّها لا تصل إلى الفقراء إلا بعد مدّة طويلة تصل إلى 6 أشهر، وربّما تقارب عاما كاملا في بعض الولايات، لأسباب يتعلّق معظمها بإجراءات صبّ الأموال في الحسابات البريدية لصناديق الزّكاة، وضبط قوائم المستفيدين، وهي الأسباب التي يمكن تفهّمها من النّاحية الإدارية، لكنّها لا يمكن أبدا أن تكون مقبولة أو يتفهّمَها الفقراء الذين يبدأ توافدهم على مقصورات الأئمّة بدءًا من شهر محرّم، للتّساؤل عن موعد توزيع الزّكاة، ما يضع الأئمّة أمام مواقف محرجة، خاصّة وأنّ كثيرا من مديريات الشّؤون الدينيّة لا تكلّف نفسها عناء تقديم توضيحات شافية للأئمّة تتعلّق بأسباب التأخّر، ليتولّى الأئمّة بدورهم تقديم توضيحات للمجتمع عامّة وللفقراء خاصّة.

كما أنّ بعض الأئمّة لا يزالون يستغربون إصرار الجهات المسؤولة على منع توزيع الزّكاة مباشرة في المساجد، بحجّة إبعاد الشّبهات عن الأئمّة، مع أنّهم (أي الأئمّة) يكلَّفون كلّ عام وبالتّعاون مع اللّجان القاعدية بجمع وتوزيع زكاة الفطر على مستوى المساجد، وإيصالها مباشرة إلى الفقراء؛ فإذا كانت الشّبهة منتفية في جمع وتوزيع زكاة الفطر، فهي منتفية أيضا في جمع وتوزيع زكاة الأموال، وإن كانت قائمة في هذه، فهي قائمة في تلك أيضا، كما أنّ الأئمّة يرون أنّه يمكن اعتماد إجراءات كثيرة تجعلهم في منأًى عن الشّبهات، وتساهم في إيصال الزّكاة إلى الفقراء في حينها، منها تقديم وُصول استلام للمزكّين، وكتابة محاضر للتّحصيل والتّوزيع تُرفع إلى الإدارات، مع نسخ من وُصول استلام الزّكاة من المزكّين ووُصول تسليمها إلى المستحقّين.

من المؤاخذات التي يسجّلها الأئمّة أيضا تخصيص نسبة غير قليلة من الأموال التي تحصّل في صناديق الزّكاة، لطباعة وإعداد الملصقات واللافتات الإشهاريّة التي تعلّق في المساجد والأماكن العامّة، وهي التي تكلّف أموالا معتبرة تقتطع من الأموال التي يدفعها المزكّون ليتمّ إيصالها إلى الفقراء، ويقول الأئمّة إنّه مهما كانت الحاجة ملحّة إلى التّعريف بصندوق الزّكاة والإشهار له، فإنّ التوسّع في هذا الباب والمبالغة فيه لا ينبغي أبدا أن يكون على حساب حقّ الفقير ومن جيبه.. ومن المؤاخذات أيضا، تخصيص نسبة من أموال الزّكاة لتقديمها قروضا حسنة للشّباب البطّال، لإنشاء مشاريع مصغّرة، غالبا ما تبوء بالفشل، ويعجز أصحابها عن سداد ما عليهم من ديون، وربّما تحوّل الأموال الممنوحة إلى وجهات أخرى، في ظلّ غياب جهاز للمتابعة والمراقبة تابع لإدارات الشّؤون الدينيّة.

كما يستنكر بعض المهتمّين بهذا الشّأن تحوّل مشروع صندوق الزّكاة إلى وسيلة للتّنافس، ليس فقط بين الأئمّة، وإنّما أيضا بين مديري الشّؤون الدينيّة لمختلف الولايات، لجمع أكبر حصيلة ممكنة؛ ولو كان التّنافس قائما في الوصول إلى الأغنياء لكسب ثقتهم في الصّندوق لكان محمودا، لكنّه في بعض الأحيان يكون بسلوك طرق تسيء إلى هذا المشروع، منها لجوء بعض المديرين في بعض الولايات إلى تكليف الأئمّة بجمع التبرّعات في المساجد أيام الجمع وصبّها في حساب صندوق الزّكاة لرفع الحصيلة!، ومنها أيضا إجبار الأئمّة وحتى المرشدات بالتحوّل إلى سعاة وجباة، وتكليفُهم بطَرق أبواب الأغنياء ومحاولة إقناعهم بتقديم زكاتهم لصندوق الزّكاة.

هذه بعض النّقائص والمؤاخذات التي سجّلها الأئمّة والمهتمّون بهذا المشروع، راجين أن تُصغي الجهات المسؤولة لاهتماماتهم، وتَأخذ اقتراحاتهم بعين الاعتبار، وتراجع آليات عمل صندوق الزّكاة، بما يغلّب مصلحة الفقير ويمكّنه من أخذ حقّه كاملا في حينه، وبما يجعل الصّندوق وسيلة لتحصيل حقّ الفقير من الغنيّ وإيصاله إليه، لا غاية تجعل جمع الأموال وإحصاءها هدفا يتنافس فيه المتنافسون. 

  • print