الفتوحات الإسلامية والاستعمار الغربي

date 2016/10/15 views 2224 comments 95

قال المستشرق "د. بنغت كنوتسون"، في مقال له بعنوان الإسلام والغرب1، إن "توسُّع العرب والمسلمين في القرنين السابع والثامن، عندما خرجت جيوش الإسلام من جزيرة العرب وانتشرت عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حتى وصلت إلى اسبانيا، وهو التوسع الذي يسميه الجانب العربي والإسلامي بـ "فتح" و"تحرير"، والذي يمكن للجانب الأوروبي والغربي، أن يعتبره استيلاءً واستعماراً، بينما أوروبا والغرب عموما يعترف بخطاياهما الإستيلائية والإستعمارية تجاه العالم العربي الإسلامي، فلم أقابل، لغاية الآن، عربياً أو مسلماً واحداً يصف التوسع العربي الإسلامي في قرني الإسلام الأولين كاستيلاء واستعمار... أين المنطق؟

بالفعل أين المنطق..؟ هذا توسع وهذا توسع، إما أن تكونا الحلتان استعمارا، أو تكونا فتحا، وإذا لم تكونا كذلك فأين الفرق؟

وللإجابة عن هذا  السؤال لا بد من الانطلاق من مسلمة في علاقات العالم ببعضه البعض في القديم والحديث، وهي أن في العالم دائما حضارة قائمة هي الغالبة وهي التي توجهه، وتشرف على مصيره، لأن الضعيف في العلاقات الدولية، مثل السفيه يحجر عليه ولا يسمح له بالتصرف في ممتلكاته، لأن هذه الحضارة تمثل القائد الذي عليه التزامات قانونية وأخلاقية تجاه باقي أطراف العالم، كان ذلك في الحضارات القديمة وامبراطورياتها، ولا يزال هذا المنطق قائما إلى الآن.. ألا نلاحظ اليوم أن العالم يتكلم عن واجبات الاحتلال تجاه الجهات التي احتلها –المحتلين- أكثر من الكلام عن الاحتلال كفعل غير أخلاقي، والسبب في تقديري أن العلاقات الدولية تتعامل مع واقع الشعوب والحكومات وفق إرادة الشعوب والحكومات القوية والغنية، وليس وفق حقوق وحاجات الحكومات والشعوب الضعيفة.

هذه المسلمة كانت قديما في إطار الامبراطوريات، ٍومورست أيام الميثاق الاستعماري، وبعد الحرب العالمية الثانية وإنهاء الاستعمار وتقرير مصير الشعوب المستعمرة، تولت المؤسسات الدولية تسيير العالم وفق "هذه المسلمة" بنفس المنطق القديم ولكن الجديد في هذه المؤسسات الجديدة هو البحث عن "الاستعمار العادل"، على اعتبار أن الدول القوية هي التي تملك ما تفيض به على العالم، في جميع المجالات، العلم والتكنولوجيا والقوة الصناعية والاقتصادية وإلى ما هنالك من أسباب القوة...، ومن ثم فإن الإبقاء على مسؤولية القوي تبدو ضرورة لا يستغنى عنها، ولكن يبقى هل هذا القوي والغني، أمينا على القيام بواجباته تجاه الإنسانية أم لا؟ هذا هو محل الجدل والنقاش، وتساؤل المستشرق "د. بنغت كنوتسون"، في الواقع مشروع ولكنه قاصر؛ لأنه لم يلتفت لمضامين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، وإنما توقف عند أن كلا الفعلين استعمار أو فتح وتحرير، ولو أنه فكر قليلا وأعمل نظره لتوصل إلى الفرق بين التوجهين، لا سيما وهو يقر للإسلام بالعدل وظلم الغربيين في الحروب الصليبية وفي الفترة الاستعمارية؛ بل إن الغربيين أنفسهم يعترفون بخطاياهم في ذلك، وقد نقل ذلك في مقاله المشار إليه.

إن الفتح الإسلامي كان فتحا ولم يكن استعمارا لجملة من الأسباب، غير المسلمة التي ذكرناها من قبل، وهي التي تنطبق على جميع الحضارات والنظم السياسية التي ارتقت إلى مستوى القيادة وحكمت العالم انطلاقا من تلك المسلمة. ومن هذه الأسباب:

1. أن رسالة الإسلام أسست لمنهج جديد في الحياة، فعلى المستوى الإيماني قد أسس النبي صلى الله عليه وسلم إلى منهج جديد يستبعد المعجزة والخوارق في دعوته للإيمان –غير القرآن-، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة"؛ لأن المعجزة والحارقة الوحيدة التي جاء بها وستبقى هي المعجزة هي القرآن الكريم (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا)، ولهذا كانت رسالة الإسلام وختم النبوة كما يقول العلامة محمد إقبال تمثل "الانتقال من العالم القديم إلا العالم الجديد"، ولذلك كان الإنتاج المعرفي الإسلامي مؤسسا لمنهج جديد في العالم؛ لأنه استطاع امتصاص جميع الثقافات التي كانت تحكم عصره، فاعتبرت المنظومة المعرفية الإسلامية "أكبر منظومة معرفية في العالم؛ فهي مترامية الأطراف، بعيدة الأعماق، متنوّعة المجالات المعرفية، ساهم في بنائها أعراقٌ وأجناسٌ ومذاهب وثقافات مختلفة، من أقصى الأندلس إلى أقصى بلاد فارس، آلاف العقول المنهمكة في البحث المعرفي تدفقت جداولها في محيط هذه المنظومة"2، وتلك المنظومة هي التي سار عليها العالم منذ ذلك الزمن، ولو تتبعنا الفكر الإنساني منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم لوجدنا أن تلك البذور هي التي تحكم منظومة الإنسان اليوم، مع فوارق سببها العجرفة الغربية التي أفرغت الأفكار من محتوياتها الإسلامية وملأتها بما تملك من مخزون ثقافي خاص.

2. أن رسالة الإسلام رسالة دين جديد جاء ناسخا لجميع الديانات والشرائع التي كانت، موجهة إلى البشرية كافة، ولم يعد الإنسان في حاجة لأكثر من مضامين القرآن ليهتدي إلى الإسلام الذي أراده الله دينا للبشرية، ومع ذلك قرر عدم الإكراه باعتبار أن الإنسان بلغ من الرشد ما يمنع ذلك؛ لأن الإكراه كان ربما ممكنا عندما كان الناس دون مستوى الرشد اما وقد بلغ الإنسان الرشد فلا إكراه (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

3. الفتوحات الإسلامية لم تكن حروبا للهيمنة وتتبع الغنى والثروات بقدر ما كانت دعوة إلى دين جديد وإشاعة لمنهج جديد في الحياة لا تزال البشرية تتلمس آثاره في الواقع إلى اليوم، ربما في مناسبة أخرى نتطرق إلى ذلك الجديد الذي جاء به الإسلام ولم ترتق إلى جوهره البشرية إلى اليوم.

ولذلك رأينا أن بعض البلاد الإسلامية فتحت سلما، بواسطة قوافل التجارة والسياحة، وما كان من حروب إسلامية ضد بعض النظم السياسية إنما كان بسبب عداوات هذه الدول للإسلام والمسلمين، وإما لكونها كانت سببا في حرمان الإنسان من تلقي هذه الرسالة الخاتمة، فوجب قتالها دفاعا عن حرية الناس. لقد كانت الدولة الإسلامية مترامية الأطراف، ورغم مركزيتها في نظام الخلافة إلا أن في الواقع الممارس كانت الولايات بمثابة الدول المستقلة، فبقيت الثقافات واللغات والعوائد....إلخ، في بلادها مقررة كأعراف جارية.

4. لم تحارب ثقافات ولغات وتقاليد وعوائد الشعوب التي دخلت الإسلام إلا ما كان مضادا منها للتوحيد والعبادة أو بدعة مبطلة لشرائع الإسلام اليقينية؛ بل العكس فقد امتزجت تلك الثقافات واللغات والتقاليد والعوائد بالفكر الإسلامي، ولم يبق هناك حاجز بين المحلي والوافد إلا في حيز ضيق جدا يتعلق بجوهر التوحيد والعبادة التي جاءت بها الرسالة الخاتمة.

لو قارنا هذه الفتوحات بالكيفية التي احتلت بها فلسطين من قبل الصليببين، وغزو النصارى للأندلس، وإستعمار البلاد الإسلامية قبل سايس بيكو وبعدها واحتلال فلسطين من قبل الصهاينة بمباركة غربية.. فإننا ربما لا نجد وجها للمقارنة، رغم أن المفترض أن الغرب الذي جاء بعد قرون طويلة من التجربة الإسلامية، كان لا بد من أن يتطور ويتجاوز التجربة الإسلامية؛ لأنه متأخر عنها، وإذا كانت التجربة الإسلامية توصف بالفتح؛ لأنها فتح حقيقة جمعت بين شعوب كثيرة في منظومة واحدة مرضي عنها، فإن الغرب لا يمكن أن يوصف بهذا الوصف؛ لأنه فرق بين الشعوب وقسمها، واعتدى على ثقافاتها المحلية، وحاول استبدالها بما جاء به من قيم دخيلة على المنطقة التي احتلها؛ بل إن التجربة الأمريكية اليوم والتي تعد من أرقى التجارب الغربية، وما قامت به في العراق وأفغانستان مثلا، لا يختلف كثيرا عن التجربة الفرنسية في الجزائر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، من حيث أنهما مستعدتان لإبادة شعب او بعضه من أجل أن تحضره –تنقل إليه الحضارة-، هكذا فعلت فرنسا، وهكذا تفعل أمريكا اليوم في تسويق ديمقراطيتها الجديدة؛ لأن الحضارة الغربية حضارة جذبية كما يقول بن نبي رحمه الله، أي أن عملية التحضر والدمقرطة لا تكون إلا داخل أراضيها.

 

هوامش:

1- ذكرت هذا المستشرق في مقال سابق، ولم أذكر اسمه؛ لأنني كنت ناسيه

2- مجلة علم الاستغراب العدد الأول خريف 1438هـ/2016م، تصدر عن، مؤسسة وعي للدراسات والأبحاث بدولة قطر  

  • print