العربية ونشر السلفية في المدرسة!

date 2016/11/26 views 5004 comments 54

المقال الذي أعاد مجموعة من الكتَّاب والمثقفين الجزائريين نشرَه منذ أيام بصحيفة "لوموند" الفرنسية واتهمت فيه اللغة العربية بـ"أسْلَفَة" المدرسة و"إغراقها في الرداءة"، يحتاج إلى العديد من الوقفات.

أولا: هل شعرت هذه المجموعة بأن رسالتها المشفَّرة إلى فرنسا لم تصل حينما نشرت مقالها منذ أيَّام في إحدى الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية ففضلت إعادة نشره في "لوموند" حتى تصل الرسالة جيِّدا إلى فرنسا؟ أليس هذا استقواءً بفرنسا لتحقيق أهدافها الخفيّة؟ الواضح أن هذه المجموعة تخاطب فرنسا برسالتها لتساعدها على تحقيق أغراضٍ في نفوسها، ولو كانت تريد مخاطبة الجزائريين وحدهم لاكتفت بالصُّحف الجزائرية. 

ثانيا: اتهام اللغة العربية بأنها مسؤولة عن إغراق المدرسة الجزائرية في "الرداءة" ينطوي على تجنٍّ فاضح ينطلق من قناعات ذاتيةٍ موغِلة في معاداة العربية والحقد على المكانة التي بلغتها في المدرسة، والواضح أن الهدف من الاتِّهام هو نجدة بن غبريط رمعون، وتحميل أنصار العربية مسؤولية "كبح" الوزيرة لـ"إصلاحاتها"، وخاصّة في شقها المتعلق بالتدريس باللهجات العامِّية، وكذا فرْنَسة المواد العلمية للتعليم الثانوي باسم "إصلاح البكالوريا"، بعد عاصفة الانتقادات القويّة الموجّهة لها.

تُرى هل أوصلت الفرنسية المدرسة الجزائرية إلى العالمية في الستينيات والسبعينيات، ثم عادت بها العربية إلى الحضيض منذ تعريبها الشامل في الثمانينيات؟ الواقع يقول إن عشراتِ الآلاف من الإطارات عاليةِ التأهيل تخرّجت في المدرسة الجزائرية؛ الإطاراتُ المفرنسة أثبتت كفاءتها بالجزائر وفرنسا، والمعرّبة أثبتت كفاءتها بالوطن والخليج، فلماذا تلمِّح هذه المجموعة إلى علوّ كعب الفرنسية وتتهم العربية بكل الكوارث الحاصلة في التعليم، وهي منها براء؟

ثالثا: اتهام العربية بـ"ارتداء لباس سلفي في السنوات الأخيرة بالمدرسة"؛ يذكّرنا باتهام المدرسة بتفريخ الإرهاب في التسعينيات، والهدف في الحالتين هو تجريم العربية وضرب مكانتها في المدرسة باسم "الإصلاحات التربوية" المزعومة.

رابعا: الزعم بأن العربية الفصيحة "فقيرة وجافة ولا يتحدّث بها الجزائريون ولا يتعلَّمونها جيدا؟!" يحيلنا مباشرة إلى الحملة الضارية التي شنَّتها بن غبريط رمعون ومساعدوها في أواخر جويلية 2015، والتي ادّعوا فيها بدورهم أن العربية لغة معقدة مستعصية على الفهم، ويجب إحلال اللهجات العامِّية محلّها حتى يتطور التعليم، على حدّ زعمهم، والحمد لله أن الوزير الأول عبد المالك سلال تدخّل وقرّر الإبقاء على العربية الفصيحة لغة للتعليم، فهل يريد هؤلاء المثقفون الضغط على السلطة -عبر الاستقواء بفرنسا- لدفعها إلى تجسيد "اقتراحيْ" بن غبريط حول اللهجات العامية وفرْنَسة التعليم الثانوي؟

الواضح تماما أن هذه المجموعة المثقفة تريد تأليب السلطة على اللغة العربية من خلال اتهامها بالانتشار المزعوم لـ"السلفية في المدرسة؟" قصد دفعها إلى التدخُّل و"قبر هذه الثقافة اللغوية التي غُرست في أذهان الجزائريين؟!" ومن ثمّ تقديم العامِّيات والفرنسية بديلا جاهزا لها. هي محاولةٌ جديدة محكوم عليها بالفشل الحتمي كما فشلت جميعُ محاولات الاستعمار الفرنسي لقتل العربية طيلة قرن وثلث قرن، وكذا محاولات الأقلية الفرنكفيلية طيلة 54 سنة من الاستقلال.   

  • print