بالقيم تُستَدام الأوطان وتُستَأنف الحضارة...

date 2017/02/16 views 1602 comments 15

من بين الخلاصات المهمة للقمة العالمية للحكومات التي اختتمت أول أمس بدبي أن بناء الدول لا يتم فقط من خلال الامكانيات المالية أو المادية أو الثروات مهما كان نوعها أو من خلال العدد الكبير أو القليل من السكان إنما من خلال وجود منظومة قيم تَحكم تلك الدول والقدرة على التميّز في مجال إدارة الأفراد والمشاريع والحكومات وقبل ذلك بناء الانسان الذي يؤسس لكل هذا...

لماذا لم تتقدم مصر وهي الدولة التي لديها من الامكانيات البشرية الهائلة، ونهضت وتقدمت الإمارات العربية ذات العدد القليل من السكان؟ لماذا لم تتمكن ليبيا من أن تُنشئ مدينة مثل دبي، وهي التي لديها الامكانيات المالية الكبيرة والعدد القليل من السكان؟ ولماذا تقدمت الصين ذات المليار و300 ألف من السكان ولم تتقدم دول أصغر حجما وأكثر إمكانيات؟ ولماذا تقدمت كوريا الجنوبية واليابان من غير امكانيات مادية تُذكر ولا ثروات معدنية أو بترول وبقيت دول بترولية كثيرة عاجزة على توفير الحليب لأبنائها؟ ولماذا نحن قبل هؤلاء وهؤلاء نُراوح مكاننا منذ أكثر من نصف قرن لا نستطيع التقدم رغم كل ما نملك من قدرات مادية وبشرية وتاريخية إن صح هذا التعبير؟

أسئلة أجابت عنها القمة العالمية في كثير من مداخلاتها ذات القيمة العالية، سواء بالنسبة للقادة الإماراتيين أو قادة العالم الذين شاركوا الحضور انشغالاتهم أو للعدد الكبير من الحضور الذي فاق الأربعة آلاف، ومن بين تلك الإجابات التي شدَّت انتباهي تلك التي تمحورت حول دور القيم في استدامة الأوطان، وكيف نستأنف بناء الحضارة.  

لماذا تقدمت كوريا الجنوبية واليابان من غير إمكانات مادية تُذكر ولا ثروات معدنية أو بترول وبقيت دول بترولية كثيرة عاجزة على توفير الحليب لأبنائها؟ ولماذا نحن قبل هؤلاء وهؤلاء نُراوح مكاننا منذ أكثر من نصف قرن لا نستطيع التقدم رغم كل ما نملك من قدرات مادية وبشرية وتاريخية إن صح هذا التعبير؟

وقد استحضرت واقعنا المعيش وأنا أُعيد الاستماع للكلمات التي اُلقيت بالمناسبة حول الموضوع، من قبل قيادات سياسية وأخرى ذات خبرة في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي، لاحظت كيف أننا في الوقت الذي نحتاج فيه إلى القيم السامية لأجل استئناف بناء الدولة نلجأ إلى عكسها تماما، أو نعتبرها عوامل تخلف لا مُحركة للتقدم والازدهار.

يكفي أن نربط هذا بما يحدث هذه الأيام عندنا ونحن نستعد لانتخاب برلمان جديد، ونترقب حكومة جديدة، أي قيم تسود بين المتنافسين؟ هل قيم التضحية والتفاني من أجل خدمة الوطن، والتنافس بين الأكثر استعدادا للعطاء والأقل استعدادا؟ والأكثر خبرة والأقل؟ وذي السجل المتميز في مجال التسيير الجاد والناجح وغير القادر إلا على المناورات والدسائس؟ أم هو تنافس خارج نطاق منظومة القيم لا تحكمه أي ضوابط سوى البحث عن مواقع جديدة في هرم السلطة لأجل تحقيق بعض الامتيازات  الشخصية أو الحفاظ عما تم تحقيقه من غير جهد أو عمل؟

هل نحن هذه الأيام بصدد استظهار قيم حب العلم والتمسك بالأخلاق والرفع من شأن العمل لتحقيق الثروة أو تغيير المكانة الاجتماعية، أم أننا بصدد نشر ثقافة الكراهية بين الناس واعتبار المؤامرات والدسائس والنفاق وتشويه صورة الآخر وغيرها مما يتنافى ومكارم الأخلاق هي البضاعة الرائجة والقادرة على تحقيق ما نُسمِّيه انتصارا في عالم الصراع السياسي والبحث عن التموقع فيما يمكن اعتباره السُّلَم الجديد للسلطة؟

وفي مستوى ثان وفي هذا الظرف الصعب الذي تمر به بلادنا من حيث شح الموارد المالية وتزايد الصعوبات الأمنية، هل نحن بصدد تقديم الأكثر قدرة على إدارات الموارد البشرية والإدارات الحكومية أم سنُكرر ذات التجربة السابقة، ونستمر في تنفيذ سياسات لا تقوم على أي من الركيزتين المساهمتين في استئناف بناء الحضارة: القيم والقدرة على إدارة الانسان والحكومات.

يبدو من خلال ما نلاحظ اليوم من صراع محموم حول مقاعد في سلطة تشريعية ليست بالقيمة التي ينبغي أن تكون لها، وكأننا لا نريد الاقتراب من الموضوعين بالموضوعية اللازمة، وكأننا غير معنيين بهما، أو أن النتائج المحدودة التي حققناها لحد الآن لم تثر فينا حماسة تصحيح خط السير الذي بدأناه منذ أكثر من نصف قرن ولم نتمكن من خلاله من تجاوز الصعوبات الروتينية التي تعرفها أي دولة من الدول، دون الحديث عن عجزنا على بناء عاصمة جديدة بحجم العواصم العالمية أو التحول إلى الاشعاع الاقتصادي والتجاري على المنطقة الافريقية القريبة منا، بحكم خبرتنا التاريخية وما نملك من قدرات وامكانيات... هل تثير فينا حركة بعض الدول التي فاقتنا في بناء الانسان وتطوير القدرات المادية ما يُمكن أن نسمِّيه بالغيرة الحضارية للانطلاق على أسس صحيحة هذه المرة؟ هل نَصل إلى قناعة أن مشكلتنا هي بالفعل  في عدم القدرة على إدارة قدراتنا البشرية ومواردنا المادية وحتى الاستفادة من خبراتنا السابقة والاستعانة بما امتلكنا من صيت تاريخي كعامل مكمل لِما يمكن أن نقوم به من أعمال؟ هل نجرؤ على الاعتراف بأننا بهذه الكيفية لن نُعيد بناء منظومة القيم ولن نستأنف بناء الحضارة؟

علينا أن نصل إلى هذه النتيجة حقا إذا كنا بالفعل نريد أن نتقدم، أن نستخلص أننا حقيقة بحاجة إلى تصحيح المسار الذي سلكناه منذ أكثر من نصف قرن نحو الاتجاه الصحيح، باعتبار أن سياسة الهروب إلى الأمام أو الإصرار على أننا في الطريق الصحيح لن تؤدي سوى إلى تلك النهايات غير السعيدة التي عرفتها أو تعرفها الآن أو ستعرفها في المستقبل القريب بعض الدول التي أصرت على رفض كل بدائل التغيير القائمة على إدراك جديد لدور الانسان وضرورة الرفع من قيمه لبناء الدولة أو استئناف الحضارة.

ولعل هذا ما أدركته الدول التي عرفت قفزة في مجال التقدم، سواء أكانت في محيطنا العربي أو في آسيا وإفريقيا، لا أتحدث عن الدول الصناعية الكبرى التي كان لها مسار آخر وتاريخ أخر، مثل هذه الدول المحيطة بنا أو البعيدة عنا، أدركت أنه لا خير في البقاء مُصرِّين على أن السياسات القديمة ستصنع منا دول عظمى، كما اعتقدت الجماهيرية ذات يوم أو مازالت تعتقد مصر أو الجزائر إلى حد اليوم، أبدا لن تصنع تلك السياسات القديمة بتلك الأساليب البالية دولا متقدمة حتى وإن انتظرنا نصف قرن آخر، التقدم ينبغي أن يبنى انطلاقا من روح جديدة وقيم جديدة تحملها أجيال جديدة... ينبغي أن نعترف بأسباب الفشل إذا أردنا أن نُصحِّح ما اعوج من البناء، والاعتراف ينبغي أن يبدأ بتصحيح ما اختل من القيم في هذا المجتمع، وما منعنا من الانطلاق في ذلك البناء الذي لم نتوقف عن الحلم بتشييده ذات يوم، تلك هي الطريق لاستدامة الأوطان، والبقية متاهة لا نهاية سعيدة لها...

  • print