ملاحظات أولية عن مسلسل الإمام ابن باديس

date 2017/08/10 views 8753 comments 14

نشرت في يوم 31 جويلية من سنة 2003 مقالا في "الشروق اليومي" تحت عنوان: "وهو بسبق حائز تفضيلا"، علقت فيه على مسلسل "قاسم أمين"، الذي كان يعرض آنذاك على بعض الفضائيات العربية.. ومما قلته عن ذلك المسلسل: "ولولا بعض مظاهر التبرج الذي فاق تبرج الجاهلية الأولى لكان مسلسلا رائعا"، مع التحفظ على بعض أفكاره، وأشدت ببراعة الممثلين في تقمص أدوار الشخصيات التي يمثلونها، وارتكبت "جريمة" عندما قارنت بين أولئك الممثلين المثقفين وبين (ما) يسمى عندنا "ممثلين"، الذين يجعلونك تضرب رأسك على الحائط، أو تهشم التلفزيون لسوء أدائهم، وهجنة لغتهم، ورطانة ألسنتهم..

ومما قلته إنني "تمنيت دائما إنتاج مسلسلات عن شخصياتنا ذات التاريخ المجيد، والفكر الأصيل، ولكنني راجعت نفسي، ودعوت الله– وما أزال- أن لا ييسر ذلك، لأن "ممثلينا" سيشوهون تلك الشخصيات، وسيقزمونها، ويجعلون الناس يستقلونها، ولا يقدرونها حق تقديرها.." (انظر: أشعة الشروق للمؤلف... ص223-224).

وعندما قرأت أن فيلما ومسلسلا يجري تصوريهما عن الإمام عبد الحميد ابن باديس وضعت يدي على قلبي، خشية وقوع "جريمة" في حق الإمام، كتلك الجريمة الفاشلة التي استهدفت قتله في سنة 1927، وخلّدها "حسان الحركة الإصلاحية" محمد العيد آل خليفة بقصيدته الرائعة" حمتك يد المولى.."

أنجز الفيلم والمسلسل. لم أشاهد الفيلم، وما شاهدت إلا ثلاث حلقات أو أربعا من المسلسل، وما رأيته في تلك الحلقات جعلني "نندب حنكى"، وحكمت بالجزء على الكل.. وتحسرّت على ما ضاع من أموال في مسلسل أدعو أن لا تشتريه أية فضائية عربية حتى لا تشوّه صورة الإمام ابن باديس، وحتى لا يتأكد ظن إخواننا العرب من أننا "ما نعرفش عربي" أي أننا لا نعرف اللغة العربية.

إن أول ما لفت نظري في الحلقات التي "تعذّبت" برأيتها هو أن شخصية الإمام ابن باديس تبدو "ذابلة، خاملة"، في حاجة إلى من يهزها.. وتساءلت: أنّى لشخصية "شبه نائمة" أن توقظ الشعب الجزائري الغارق أكثره في بحر "الأفكار الميتة" وبعضه في محيط "الأفكار القاتلة"؟

إن الصورة التي رأينا فيها الإمام ابن باديس تناقض الصورة التي تحدث عنها لتلامذته من أمثال الشيوخ محمد الصالح ابن عتيق، وعمر بوعناني، وأحمد حماني، ومحمد الصالح رمضان، وعمار مطاطلة.. وغيرهم ممن أدركناهم، واستمعنا إليهم في مجالس خاصة أو محاضرات وندوات عامة.

ومما حدثني عنه الشيخ عمر بوعناني- الذي صار إماما في جامع كتشاوة- أن الشيخ الفضيل الورتلاني كان يبدو "خاملا" في أول عهده بدروس الإمام ابن باديس، وقد نبّهه الإمام إلى ذلك، فلما يجد التنبيه قبضه الإمام من مقدمة برنوسه وهزّه قائلا: "افطن".. فصار الشيخ الفضيل بعد ذلك شخصا آخر، جراءة لسان، وشجاعة قلب، وسرعة حركة.. وكان الإمام يعجب بكل ذلك، ويقول له: "لمثل هذا كنت أحسيك الحسا".

وأما اللحن في قراءة من "مثل" شخصية الإمام فكان كارثة بأتم ما في الكلمة من معنى، ولم ينج من هذا اللحن حتى سورة الفاتحة.. ولا تسأل عن "المجزرة" التي ارتكبت في الأبيات التي قالها الإمام، وهي "سينحل جثماني إلى الترب أصله.." وقد تخيلت أن الإمام قد اهتز في قبره احتجاجا على ما لحق أبياته الجميلة مبنى ومعنى من تشويه أذهب بهاءها، و"مرّر" عذوبتها.

ومن اللحن الذي نزل على أذني نزول مطرقة كبيرة، لو نزلت على صخرة قسنطينة لحطمتها تحطيما، وهشمتها تهشيما، ما ورد في آخر رسالة للإمام ابن باديس لأخيه الإمام الإبراهيمي (13 أفريل 1940) مهنئا له على موقفه الشريف الثابت، ومما جاء في رسالة الإمام "وبيّضت محياهما (العلم والدين) بيّض الله محيّاك.."، فانقلبت كلمتا "محياهما، ومحياك" (بضم الميم وتشديد الياء) إلى "محياهما ومحياك" (بفتح الميم والياء من غير تشديد). وشتان ما بين اللفظين من معنى.

في الحلقة الأخيرة من المسلسل ظهر والي قسنطينة الفرنسي وفوق رأسه صورة الجنرال دوغول، وهذا خطأ تاريخي، فدوغول في هذا التاريخ (أفريل 1940) لم يكن شيئا مذكورا، وما ظهر دوغول على مسرح تاريخ فرنسا إلا بعد تمرده على قيادة بلده في 18 جوان 1940. وحتى الصورة ترجع إلى تاريخ لاحق، أي بعدما صار الجنرال رئيسا لفرنسا بعد حوادث 13 ماي 1958. فالفرق بين الصورتين أكثر من ثمانية عشر عاما.

وددت لو أن في هذه الحلقة أشير إلى مناسبة قول الإمام ابن باديس: "والله، لو أن فرنسا طلبت مني أن أقول: "لا إله إلا الله" ما قلتها. وهي رواية منشورة، ونسبها الأستاذ محمد الميلي والشيخ شيبان إلى الشيخ العربي التبسي، وقد قالها له الإمام ابن باديس في قسنطينة قبل وفاته بقليل..

إن الأيام الأخيرة من حياة الإمام ابن باديس سجلها أقرب الناس إليه، وأعرفهم به، والأمين على أسراره الشيخ أحمد بوشمال، وقد سجلها في رسالة بعثها إلى الشيخ أحمد قصيبة في الأغواط.. ومما جاء في تلك الرسالة أن آخر درس ألقاه الإمام كان على النسوة يوم 3 ربيع الأول، ويوم 4 ربيع الأول ودّع طلبته لقضاء عطلة المولد النبوي الشريف، وحدّث الحاضرين بإعجاب عن موقف أخيه الإمام الإبراهيمي الذي أبى عليه دينه وشرفه ووطنيته أن يصدر بيانا يساند فيه فرنسا الملعونة في الحرب العالمية الثانية.. وفي يوم 6 ربيع الأول ترأس– ليلا- اجتماع مجلس صندوق الطلبة، ومكن له أربعة آلاف فرنك وصلته من الجزائر، وفيه كرر إعجابه بموقف الإمام الإبراهيمي... وفي يوم 8 ربيع الأول أتاه اليقين، ورجعت روحه إلى بارئها...

إن هذه التفصيلات ذات المعاني الجليلة لا وجود لها في هذه الحلقة الأخيرة.. ولست أدري إن كان المشرفون على هذا المسلسل قد اطلعوا على هذه الرسالة، وقد نشرتها في "الشروق اليومي" بتاريخ 23 ديسمبر 2002. وأعدت نشرها في كتابي "أشعة الشروق" الصادر في 2005، فـ "هلا سألوا؟"

وكانت الأبيات المصاحبة للحظات الأخيرة من حياة الإمام غير مناسبة، فهي ترجع إلى سنة 1938 بمناسبة الاحتفال بختم الإمام تفسير القرآن الكريم، وهي من قصيدة لشاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة.. أما الأبيات المناسبة لآخر تلك الحلقة فهي قصيدة محمد العيد أيضا الذي أبّن فيها الإمام، وارتجلها على قبره، ومطلعها:

يا قبر طبت وطاب فيك عبير ** هل أنت بالضيف العزيز خبير؟

إن كثيرا مما جاء في هذه الحلقات يسيء إلى الإمام، ويشوه صورته.. ويبدو أن "القوم" استعجلوا إنجازه، لأمر هم أعلم به.. ولو تحروا أكثر لكان عملهم أكثر نضجا وأكمل، ورحم الله– عز وجل- من قال: 

ولم أر في الناس عيبا ** كنقص القادرين على التمام

أخشى أن يتم إنجاز فيلم الأمير المجاهد عبد القادر على طريقة فيلم "عطلة المفتش الطاهر" حيث فيه "الضحك واللعب"، أكثر مما فيه من المواقف البطولية، واللفتات الإنسانية النبيلة، والشعر الجميل، والقول الحكيم..

وأوصي من يتولون إنجاز هذا الفيلم– إن تم ذلك- أن يختموه بمقولة الأمير عبد القادر في دمشق للرحال الألماني هاينريش فون مالتسن: "السلطان أبوليون راجل. الفرنسيس لخرين الكل كلاب". (هاينريش فون مالتسن: ثلاث سنوات في شمال غرب إفريقيا.

تعريف: أبو العيد دودو. ج1 ص261) والمقصود بالسلطان أبوليون هو الملك الفرنسي نابوليون الثالث، الذي أطلق سراح الأمير عبد القادر الذي وثق بـ "كلمة" فرنسا، و"شرفها"، إن كانت لها كلمة، وكان لها شرف..

  • print