أصحاب الفوبيا الغريبة.. بين سطوة المخاوف وسخرية المجتمع
يحاول ملايين البشر التعايش اليومي مع أنواع نادرة وغير مألوفة من الرهاب النفسي، التي تجعلهم يخافون من أشياء يعتبرها الآخرون عادية أو حتى محببة. هذه المعاناة النفسية ليست أسوأ بكثير من عدم تفهم المجتمع بمن في ذلك المقربون لشعور المصابين بأنواع الفوبيا الغريبة، إذ غالبا ما يجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة تحديين في آن واحد، الخوف نفسه، وأحكام الناس عليه.
المألوف مصدر معاناة للبعض
يعرف علماء النفس الفوبيا بأنها خوف شديد ومفرط من شيء أو موقف معين، لا يتناسب مع حجم الخطر الحقيقي الذي يمثله، ورغم إدراك المصاب غالبا لعدم منطقية خوفه، إلا أنه يعجز عن التحكم في ردود فعله الجسدية والنفسية. وتتنوع الفوبيا بين أنواع شائعة، مثل الخوف من المرتفعات أو الأماكن المغلقة، وأخرى نادرة تثير الدهشة والاستغراب. فبعض الأشخاص يعانون من الخوف من الثقوب الصغيرة المتجاورة، فيما يخشى آخرون الأزرار الموجودة في الملابس، أو النوم، أو المرايا، أو حتى الضحك… وهناك من يشعر بذعر شديد من الدمى أو البالونات أو بعض الألوان أو أصوات محددة. تقول الأخصائية النفسية نادية جوادي: “غرابة هذه المخاوف، قد لا تكون بمستوى شدة الأعراض التي ترافقها وتشكل معاناة حقيقية لأصحابها، مثل التعرق الشديد، وضيق التنفس، وتسارع ضربات القلب، والارتجاف، والشعور بالإغماء أو الرغبة الملحة في الهروب…”.
نعيمة سيدة أربعينية، تعاني من رهاب الثقوب الصغيرة، تقول: “كنت إذا لاحظت ثقبا صغيرا في الحائط، لا أنام في تلك الغرفة، لأنني أعتقد أن ثعبانا أو صراصير تختبئ في الداخل، أكره الذهاب إلى مركز البريد، لأنني قد أضطر إلى الانتظار على كراسي بها ثقوب صغيرة لا متناهية تصيبني بالدوار والتوتر…”، تضيف: “في البداية، حاولت شرح ما أعانيه، لكنني اكتشفت أن معظم الناس لا يصدقون الأمر، لذلك أصبحت أتجنب الحديث عنه تماما، أعيش معاناتي بمفردي وأجابه أعراض هذه الفوبيا بجهد كبير، دون تفهم أو مساندة”.
السخرية تعقد الوضع
يرى مختصون أن المشكلة لا تكمن فقط في الرهاب نفسه، بل في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع معه، فكثير من المصابين يتعرضون للتقليل من معاناتهم أو السخرية منها، خاصة عندما يتعلق الأمر بفوبيا غير معروفة أو تبدو غير منطقية للآخرين. ويؤكد الأخصائيون النفسيون أن الاستهزاء قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض، لأن المصاب يشعر بالخجل من الإفصاح عن مشكلته أو طلب المساعدة، كما أن الشعور بعدم التصديق يخلق لديه إحساسا بالعزلة والوحدة، وفي بعض الحالات، يتحول الخوف من نظرة الآخرين إلى مشكلة أكبر من الفوبيا الأصلية، فيبدأ الشخص بتجنب المناسبات الاجتماعية أو أماكن العمل والدراسة خشية التعرض للإحراج أو الانتقاد.
بحسب الأخصائية النفسية والاجتماعية مريم بركان: “لا يوجد سبب واحد يفسر جميع أنواع الفوبيا، فبعضها يرتبط بتجارب سلبية أو صدمات عاشها الشخص في مرحلة الطفولة، بينما قد ينشأ بعضها الآخر نتيجة التعلم والملاحظة أو بسبب عوامل وراثية واستعدادات نفسية معينة، فالدماغ أحيانا يربط بين شيء معين وتجربة مزعجة أو مخيفة، فيتعامل معه لاحقا باعتباره خطرا حتى وإن لم يكن كذلك في الواقع”.
تحديات يومية مرهقة
بعض المخاوف قد تبدو بسيطة لمن لا يعيشها، لكنها تؤثر بشكل مباشر على حياة المصاب، فمن يخاف النوم يعاني الإرهاق وقلة التركيز بسبب السهر المتواصل، ومن يخاف الأماكن المزدحمة قد يجد صعوبة في التسوق أو السفر أو حضور المناسبات، أما من يخاف التعرض للسخرية فقد ينسحب تدريجيا من محيطه الاجتماعي، وتزداد المعاناة عندما يصبح الشخص مضطرا إلى شرح مخاوفه مرارا وتكرارا لأشخاص لا يقتنعون بوجودها أساسا.
تعتقد صبرينة، وهي مصابة ومهتمة جدا بالجانب النفسي نظرا لعلاجها المطول لعدة أنواع غريبة من الفوبيا: “يعتقد البعض أن الفوبيا ضعف شخصية أو محاولة لجذب الانتباه، بينما هي اضطراب نفسي يمكن علاجه بفعالية من خلال العلاج السلوكي لمساعدة المصاب على فهم طبيعة خوفه والتعامل معه، بالإضافة إلى تقنيات الاسترخاء وإدارة القلق، وأحيانا إلى العلاج الدوائي عند الحاجة.”، تضيف مشددة: “لكن، أول خطوة نحو العلاج، هي الاعتراف بأن معاناة المصاب حقيقية، حتى وإن بدت غير مفهومة للآخرين لأن الخوف مهما بدا غريبا، يظل تجربة مؤلمة وحقيقية بالنسبة إلى من يعيشه.”