أمهات يمنعن تقسيم الميراث على أولادهن
“حاميها حراميها”.. هذا ألطف وصف يمكن أن نصف به حال بعض الأمهات اللواتي خالفن الفطرة التي فطر الله عليها قلب الأم الحاني على أولادها والساعي بالتالي إلى كل ما فيه سعادتهم ومنفعتهم، حيث يقمن بمخالفة شرع الله وإيقاف تنفيذ أحكامه بمنع توزيع التركة على أولادهن بعد وفاة والدهم، وهذا بحجة الاستمرار في لم شملهم ومنع تفرُّقهم بإبقاء دار لقمان على حالها، أو لحاجة في نفس يعقوب يُحرم جراءها كل الأبناء أو بعضهم من حقهم في الميراث. فما حكم الشرع في امتناع الأم عن تقسيم الإرث على أولادها؟
أمي ترفض تقسيم التركة
من حقوق التركة عدم التسويف في توزيعها بعد وفاة الميت، حيث إنها تنفذ باتفاق العلماء على سبيل التعجيل. ولكن بعض الأمهات للأسف يعتقدن أن لهن الحق في تعطيل شرع الله، والتأخير أو الامتناع كليا عن توزيع الميراث على أولادهن بمجرد وفاة زوج الواحدة منهن، رغم قوله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين”. وهذا للأسف الذي فعلته السيدة غنية، التي توفي زوجها في أثناء جائحة كورونا بفيروس الكوفيد اللعين. ومن يومها كما تشتكي ابنتها سمية: “مازالت كل شؤون المرحوم المالية وأملاكه على حالها. وتُسيّر بنفس الطريقة التي كانت تسيّر بها حال حياته. إذ بعد وفاته بأيام دعتنا والدتنا لاجتماع سري مغلق. كنا نعتقد أنها ستناقشنا فيه حول كيفية تقسيم التركة. ولكن مفاجأتنا كانت كبيرة، حين قدمت لنا عرضا مفصلا عن كل ما تركه والدي من أموال وأكدت في النهاية أن الوضع سيظل على ما جرى عليه في حياته. وطمأنتنا وقالت لا تخافوا ولا تحزنوا لأن دار والدكم ستظل على حالها ولا شيء سيتغير وسنبقى عائلة واحدة وشملنا ملموم كالعادة. وبالتالي، من لحظتها وكل الأموال والمحلات التجارية والمركبات التي تركها والدي تسيرها والدتي كما تشاء، فيستفيد منها إخوتي الذين مازالوا يعيشون معها في البيت العائلي. أما نحن البنات، فلا يطالنا من ذلك الرزق سوى ما قد تجود به علينا بين الفينة والأخرى من مساعدات مادية.”
تعنت في استعمال حق البر
إن ما تقوم به بعض الأمهات من رفض لتقسيم الميراث، وزيادة على ما فيه من تعطيل لتنفيذ شرع الله، يُؤشّر كذلك لتعسف الواحدة منهن في استعمال حق البر، الذي خصها الإسلام به، حيث تستغل واجب الطاعة الذي حث ديننا الحنيف الأبناء عليه، لتمنعهم من المطالبة بحقهم في ميراث والدهم، وهي بذلك تدفعهم دفعا لعقوقها، فتكون سببا لعصيانهم لها وغضب الله عليهم. وهو تمام الأمر الذي وقع فيه عبد الحميد، 37 سنة، حينما طالب أمه بعد أكثر من عشر سنوات من وفاة والده بحقه في الميراث. إذ يُفصل في ذلك قائلا: “عندما توفي أبي رحمه الله، كنا نعتقد أن التركة سوف تقسم بيننا تماما كما شرّع الله تعالى، خاصة وأن أمي حاجّة لبيت الله ولا يفوتها فرض من الفرائض. لكني للأسف مازلت أتذكر جيدا لما طالبتها بحقي في محلات وعقارات وأموال والدي، كيف انتفضت غاضبة واتهمتني بمحاولة تفكيك العائلة وتشتيت جمع إخوتي، وأخبرتني أن كل شيء سيبقى على حاله “باش ما يضحكوش علينا الناس.. ويقولون إن والدي ما خلاش الرجال”. فسكت مضطرا حينها. لكن بعدها بعدة أعوام استحوذ بعض إخوتي من ذوي الحُظوة عندها على أحقية الانتفاع بأملاك أبي، وخرجت والبعض الآخر بخُفي حنين، وحينما عاودت مطالبتها بحقي في تركة والدي، غضبت علي وقاطعتني وحرّضت كل إخوتي على معاداتي. فأصبحت منبوذا من الكل وعاقّا لها لمجرد أني طالبتها بتنفيذ شرع الله.”
ألحقوا الفرائض بأهلها
إن تأجيل تقسيم الميراث دون عذر شرعي أو إذن من الورثة، كما يقول أستاذ الشريعة الإسلامية، بلقاسم –ز: “مُحرّم شرعا، ومن يمنع تمكين الورثة من نصيبهم في التركة هو آثم مُتعنت ومغتصب لأموالهم التي بحبسه لها فهو يحبس قطعا من النار. فالميراث يؤول إلى كل الورثة بمجرد وفاة الميت. فعن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: “من ترك مالا فلورثته.” لهذا يجب على الأم التعجيل بتقسيم التركة لينتفع كل وارث بنصيبه منها.”
أما إذا امتنعت عن ذلك، فإن هذا، كما يقول الشيخ شمس الدين الجزائري: “من تعطيل أحكام الشرع وأكل أموال الناس بالباطل وتعطيل أداء الأمانات إلى أهلها.”