إصلاحات بن غبريط.. المدرسة الجزائرية إلى أين؟
فجّر الجيل الثاني من إصلاحات المنظومة التربوية، التي تشرف وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط على تطبيقها، جملة من التساؤلات، حول جدية تسمية “الإصلاحات”، وما إذا كان الأمر يتعلق بفرنسة. فالمحور الأبرز في كل ما يجري التحضير لتطبيقه، هو فرض اللغة الفرنسية في مختلف الأطوار التعليمية، قبل أن يصل الأمر إلى هيمنة لغة فولتير بالكامل على التدريس في الطور الثانوي، وبالمقابل يتم قتل اللغة العربية تدريجيا وتهميش الإنجليزية التي تعتبر أول لغة حية في العالم. كما يجري تبرير التوجهات الجديدة باسم “القيم العالمية” على حساب مقومات الهوية الوطنية. فهل مثل هذه الخيارات مؤسسة على منطق إصلاحي؟ أم أنها ردة جديدة يفرضها تيار العولمة الجارف؟ ونكوص على مكتسبات المدرسة الأصيلة.
“الفرنسية” تحت غطاء القيم العالمية
اللوبي الفرانكوفيلي يلعب آخر أوراقه
تأبى الإصلاحات أن تتوقف في المنظومة التربوية، وبات لكل وزير يتقلد حقيبة القطاع إصلاحاته الخاصة، غير أن هذه الإصلاحات عادة ما ترافقها حمى صراعات إيديولوجية بين تيارين بارزين طبَعا مرحلة ما بعد الاستقلال.
وإن كانت الإصلاحات التي لطالما دفعت بها الحكومة عبر وزرائها الذين كلفوا بحقيبة التربية، ظاهرها النهوض بالنظام التربوي والرفع من المستوى التعليمي في البلاد، إلا أنها عادة ما تخفي صراعات، سرعان ما تظهر للعلن، بين المعربين والفرانكوفيليين.

وهكذا ظلت المدرسة وعلى مدار أزيد من قرن من الزمن، رهينة الحسابات السياسية والإيديولوجية لهذين التيارين. وإن كان التيار العروبي وطروحاته تنبع من روح وموروث الجزائريين، إلا أن التيار الفرانكوفيلي يعتبر مولودا مشوها كونه جاء للوجود في مرحلة كانت فيها البلاد فاقدة للسيادة والشخصية، وهو ما كان وراء تشبعه بثقافة غريبة عن المجتمع أفقدته آليات تثمين القيم.
وبالتوقف عند السجالات التي شهدتها البلاد وعند الطروحات التي دفع بها كل من التيارين، يجد المتتبع أن التيار المتأصل يفكر بمنطق النهوض بالمستوى التعليمي من خلال ربط المنظومة التربوية بموروث البلاد الحضاري والثقافي والتفتح في الوقت ذاته على اللغات الحية دون تمييز، في حين ينزع التيار الفرانكوفيلي إلى فرض اللغة الفرنسية وهي التي لم تعد لغة حية بالمعايير الراهنة.

وبقدر ما تتسم مواقف المدافعين عن المدرسة الأصيلة بالتفتح والبراغماتية، تسقط توجهات المدافعين عن فرنسة المدرسة في مستنقع التحجر والحنين إلى الماضي القريب. ففي مسألة اللغة مثلا، يمكن للمتبع أن يقف على حقيقة مفادها أن المعربين لا يمانعون، بل يطالبون، بإعطاء الأولوية للغة الأولى الحية في العالم (الإنجليزية)، ولكن في المرتبة الثانية بعد العربية طبعا باعتبارها اللغة الأم للجزائريين، في حين أن التيار الفرانكوفيلي يسعى إلى وضع اللغة الفرنسية وهي لغة أجنبية قبل اللغة الأم (العربية) حتى ولو تمسح بالتظاهر غير ذلك.
ويتضح تحجر وتكلّس المدافعين عن فرض اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية، بمحاربة لغة العالم، اللغة الإنجليزية والعمل من أجل دحرجة إجباريتها في الأطوار التعليمية، بل ومحاربتها حتى لا تجد طريقا لمنافسة الفرنسية، خوفا من إقبال الجزائريين على تعلمها.
وتكشف بعض المشاهد المقتبسة من الأوساط الجامعية، حيث يتموقع بعض منظري التيار الفرانكوفيلي، أن الكثير من رموز هذا التيار غير قادرين على تكوين جملة بلغتهم العربية، أما الإنجليزية فهم أبعد ما يكونون عنها، وهذا هو سر تشبثهم بالفرنسية، فهي تعتبر بالنسبة إليهم طوق نجاة لانتشالهم من إعاقتهم اللغوية.
وتكمن خطورة التيار المدافع عن الفرنسية في تنفذه، فهو وإن كان عدد أفراده قليل، إلا أنهم متغلغلون بشكل مثير في مفاصل الدولة، يضاف إلى ذلك الدعم الذي يلقاه من فرنسا، والذي يتمظهر من خلال الإغراءات والضغوط غير الظاهرة التي تمارسها باريس على الجزائر.
وهكذا ظل تفوق هذا التيار على الآخر طيلة العقود الماضية، محكوم بطبيعة المرحلة وخصوصية العلاقة التي تربط الجزائر وفرنسا. ويعترف المطلعون على خبايا قطاع التربية أن نموذج “المدرسة الأساسية” لم يكن ليتبنى لولا وجود رئيس مثل الراحل هواري بومدين، الذي لم يزر فرنسا ولو لمرة واحدة، ورجال مثل الراحل عبد الحميد مهري ونسخته أحمد بن محمد، والوزير عبد الكريم بن محمود.
إن ما يحدث اليوم من تجاذبات حول الإصلاحات التي شرعت وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط، يحتم على السلطة السياسية التدخل لاستدراك الانحرافات الحاصلة، مثلما حصل مع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، عندما تدخل لإقالة مصطفى لشرف بينما كان بصدد إفراغ إصلاحات مجموعة مهري ورفاقه.
مدير العلاقات الخارجية بوزارة التربية سابقا حمزة بلحاج:
بن غبريط متآمرة على المدرسة ويجب أن ترحل!

تحدّثت في تصريحات إعلامية سابقة بنبرة تحذيريّة، بخصوص وزيرة التربية الحالية، أين تكمن خطورتها؟
لازلت مقتنعا أن السيدة وزيرة التربية الحالية بإصلاحاتها التي لا ترتسم داخل النسق القيمي والثقافي الجزائري، وهي عبر الخطوات المنهجية التي تجلت بعض أجزائها، وتخفّى الكثير منها للأسف، كشفت توجهها وفريقها المقرب منها، النشاز الصادم للذاكرة الجمعية، المنقلب على مكونات هويتنا الوطنية، فكونها ترمي إلى فرنسة التدريس للمواد العلمية في الطور الثانوي، وقد ظهر ذلك بخصوص الندوة التي تحضر بهذا الشأن، هو واحد من كمْ مؤشر دال على عزمها القيام بمراجعة عميقة جذرية لفلسفة التربية ومرتكزاتها القيمية، مهما حاولت التصريحات الأخيرة النفي والتهدئة، بهدف الإبقاء على الوزيرة.
لقد قلت وأكرر، بأن بقاء بن غبريط على رأس القطاع، لا نراه يخدم المدرسة الجزائرية، فنحن في حاجة إلى مسؤول راسخ القدم في قيمنا الوطنية، كأرضية تقوم عليها فلسفة التربية وسياستها، مزدوج أو ثلاثي اللسان يتحكم في اللغة العربية جيدا والبيداغوجيات واستراتيجيات التربية عالميا وعربيا، منفتحا متثاقفا مع الآخر بتبصر ويقظة.
هل تعتقد أنها مجرّد منفّذ لتقرير بن زاغو القديم، أم هي تملك “مشروعا جديدا” للمدرسة الجزائرية؟
أعتقد أن كلاهما حاصل، إنها المنقذة لفشل الجيل الأول، فهي أولا عضو فاعل مع فريد بن رمضان وغيرهما في لجنة بن زاغو، ومعهم ليلى مجاهد يمثلون ركائز الإصلاح الجديد، كما أنها صاحبة رؤية منذ كانت على رأس مركز الانثربولوجيا بوهران “CRASC”، وبحوثها وقناعاتها الإيديولوجية لا تخفى على أحد، وأهم من هذا أنها جاءت على أساس أن مشروع بن زاغو لم يطبق جيدا وتمت عرقلته، لأن الوزراء المتعاقبين لا يحملون قناعة به، ومن ثمة وجب أن يلتحم مشروع بن زاغو بمن يطبقه ويرعاه، ويكون وفيا لروحه وفلسفته بصدق ووفاء، وبن غبريط تحمل هذه المواصفات بقوة، وأكثر من هذا أنها جاءت لتنقذ الفشل ومعها مشروع تحسيني للتطبيق السابق، حتى يتم النجاح والتقدم بمشروع بن زاغو بمرافقة ونكهة بن غبريطية.
ما هو تأثير الفرنسيين المتعاونين فنيّا مع الوزارة، على توجهات بن غبريط في “الإصلاح” التربوي؟
نعم، هنالك تأثيرات متبادلة على الأداء والممارسة البيداغوجية، وقد استقدموا الفرنسيين بالعشرات خلال السنة الفائتة لتكوين المفتشين والإداريين والكفاءات الجزائرية، تكوينا يجعلهم يرتسمون داخل إطار روح وتقنيات الممارسة البيداغوجية التي تستوعب المناهج الجديدة للجيل الثاني.
وقد وقعت الوزيرة من خلال تصريحاتها في تناقضات خطيرة، وهي تنفي ذلك، ثم تتراجع، لتؤكد بأن مجيئهم إنما هو فقط للتدريب على بعض الطرق المنهجية، لكن الحقيقة هو أنّ الفرنسة اليوم داخل المدرسة الجزائرية ليست خبرة محايدة، إنها “إيديولوجية فرنكوفولية”.
الخبرة الفرنسية لم تنتج في عقر دارها نموذجا ملهما ومدرسة ناجحة، ونتائجها في الرياضيات وغيرها، تبين موقع المدرسة الفرنسية المتقهقر، من خلال ترتيب ” PISA “، فلماذا كل هذا التركيز والاهتمام به؟
وأشير إلى أنّ إصلاحات بن غبريط يغلب عليها الطابع الألسُني (لساني يركز على اللغة)، وهي رؤية لها امتداداتها مع الخبرة الفرنسية، كما أنها تنبع أساسا من طبيعة تكوين واختصاص كل من “فريد بن رمضان”، وتلميذته “ليلى مجاهد” مستشاري الوزيرة.
هل تؤيد القول بأن نورية بن غبريط تتوفر على “ضوء أخضر” سياسي، وأنها تستفيد من شبكة علاقات خارجية في تنفيذ رؤيتها للمدرسة؟
من عاد إلى التسعينيات سوف يجد ما يفسر ما يحصل الآن عند وزارة التربية ولجنة بن زاغو، ودور “فرنسا” اليوم في الجزائر والمغرب العربي، ناهيك عن مواثيق تاريخية بيننا، حان الوقت لنعرف سرها.
كل شيء يوحي بأن الأمر مزدوج، وهو لكثرة غموضه والتكتم عليه في المخابر يوحي بمؤامرة حقيقية، ليست نتاج تركيب وهم العقل المعرب والمؤسلم كما يحلو للمفرنسين أن يتهموننا به، لكن هو سلسلة مشاهد نراها تتحقق في الواقع.
عضو “لجنة إصلاح المنظومة التربوية” سابقا رابح خدّوسي:
مشروع بن غبريط غامض والمدرسة ضحيّة الفكر الكولونيالي

ضجّة كبيرة هذه الأيام في قطاع التربية على خلفية “الجيل الثاني” للإصلاحات، هل تراها مبرّرة؟
دون شك في جهود ونوايا الآخرين، أقول هناك ما يبرر التذمر العام الذي تشهده الساحة التربوية والإعلامية، بخصوص ما يسمى (إصلاحات الجيل الثاني)، التي مسّت المناهج المدرسية والمواقيت الزمنية، وهذا لأسباب شكلية في المقام الأول، كونها غامضة يعتريها الريب من قبل الرأي العام، لأن التربية تعني الجميع، لاسيما وأنها أتت من تيار له سوابقه، ولو كان هناك شفافية وإعلام تربوي، مثل “مجلة المعلم” التي أصدرتها سابقا، لاطّلع الجميع على مضمون هذه الإجراءات، حتى لا تجد الإشاعة مكانا لها، إذ كيف يُتقبّل أن تدرّس لغة أجنبية بوعاء ثقافي مستورد من محيطها مثلا؟ كما أن هذه الأفكار المنتظر تطبيقها على أطفال الجزائر لم يساهم فيها المختصون الجزائريون المعروفون، والذين تمّ إقصاءهم بشكل واضح، وبالنسبة للتسمية أيضا نلاحظ إهمال مراحل وأجيال سابقة في المسار التربوي منذ 1962، دون ذكر ترتيبها، وكأن التاريخ التربوي في الجزائر بدأ جيله الأول في 2003.
هل تعتقد أنّ عمل بن غبريط بهذا الصدد، يندرج ضمن تجسيد توصيات “اللجنة الوطنية لإصلاح المدرسة” التي كنت عضوا بها؟
مضمون هذه التغييرات في المواقيت والمناهج غير متوفرة لدي كالكثير من المهتمين بالشأن التربوي، لذلك لا يمكنني التأكد من مطابقتها لتوصيات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية التي نصّبها الرئيس بوتفليقة سنة 2000، وفي ختام عملها قدّمت له تقريرين مختلفين: (أ) و(ب). ولحد الآن ننتظر أن ترى اقتراحات الفريق (ب) النور، وكتابي 100 يوم في اللجنة المذكورة أو “مذكرات شاهد”، يكشف كثيرا من المستور وما جرى في كواليس هذه اللجنة، لكن هذا لا يعفينا من ذكر بعض الحقائق المتصلة بالموضوع، إذ أن الكثير يحمّل المدرسة ضعف المستوى التعليمي والتدهور الأخلاقي، وهو لا يدري بأن إخفاق المنظومة التربوية في الجزائر مردّه أيضا إلى المحيط الاجتماعي، وخاصة الأسرة، فالإصلاح يبدأ من البيت والمسجد والإعلام.. الخ، دون أن ننسى غياب البحث العلمي والفكر التربوي في الوسط المدرسي، ويمكن تشبيه المدرسة بالطائر الذي يمشي على رجلين، البيت والمدرسة، ويطير بجناحين الفكر التربوي والتسيير الإداري، فكيف يمشي أو يحلّق طائر مكسور الرجل، مهيض الجناح؟
عادة ما تنسب الإصلاحات المرحلية إلى وزراء القطاع، هل ينطبق هذا على بن غبريط، أم هي برأيك مجرّد منفذة لتوجيهات الرئيس؟
بعد ما أخفق الوزير الذي سبقها في تحقيق إصلاح حقيقي، أرى أن الوزيرة تلقت الضوء الأخضر من جهات عليا، لأن موضوع المدرسة أرهق ميزانية الدولة والسلطة معا، وهذا يعبّر عن فشل المسيّرين لدواليب الحكم في البلاد، وبالتالي فهم يبحثون في كلّ مرة عن منقذ لحفظ ماء الوجه، فيأتون بوزير من خارج قطاع التربية، ليبقى سنوات يراوح مكانه في المحاولة والخطأ، قصد اكتشاف هذا العالم الجديد، ومن هنا يرتكب أخطاء متتالية، وهذه التسميات التي تطلق على الإصلاحات المرحلية لا ترقى إلى ما هو مأمول، كونها تحسينات ظرفية وليست إصلاحا جذريا، كما أن هذه التسميات توضع كالعلامات التجارية، الغرض منها الاستهلاك الإعلامي والتصنيف التاريخي لا غير
هل العودة إلى تغريب المدرسة اليوم ماتزال ممكنة في تقديرك، أم هي تخوفات غير مؤسسة؟
يا ليته كان تغريبا جوهريا علميا حقيقيا، أو تفتحا على مضامين الفكر التربوي العالمي، في ألمانيا واليابان وكوريا مثلا، قد تقصد بسؤالك فرنسة المدرسة الجزائرية ضمن الفضاء الفرانكوفوني، وهذا غير مستبعد، لأن إقصاء تعليم اللغة الإنجليزية من التعليم الابتدائي، وفرض أسئلة الفرنسية على المترشيحن لاجتياز مسابقة توظيف المعلمين، ولغة الخطاب الرسمي، دليل واضح على ذلك، مدرستنا مبتلاة بالفكر الديماغوجي الكولونيالي، منذ إلغاء قانون المدرسة الأساسية بمنشور موظف في الوزارة، وإذ أثمّن التوجه نحو إعطاء النص الأدبي الجزائري مكانه في المدرسة ودون انتقائية إيديولوجية، أدعو إلى العقلانية في التسيير والاهتمام بالفكر والبحث العلمييْن، قصد تكوين الفرد المبدع المتذوق للفن والجمال، وتشجيع سلطة المعرفة العلمية، وكذلك تنصيب مجلس التربية والتوجيه، ودونه ستظل المدرسة عرضة للتجارب، ويبقى التلميذ هو الضحية والوطن ثمنها.