إعادة النظر في القوانين أولوية قصوى لوضع الأمور في نصابها
انتهت المرحلة الأولى لدور المجموعات من منافستي كأس رابطة الأبطال وكأس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وانتهى معها مسلسل التفاخر بالماضي الذي أكل عليه الدهر، وفتح الباب لإعادة طرح نفس التساؤل، حول السبب الحقيقي في التراجع المحير لمستوى الأندية الجزائرية قاريا، لكن..هل حان الوقت فعلا لإعادة صياغة التساؤل، حول المتسبب في هذه الخزي الكروي لممثلي كرة الملايير بالقارة السمراء.
شبيبة القبائل، وجب عليها الوقوف لبرهة، والإدراك بأن ألوان النادي لم تعد تنفع على أرض الواقع، والنجوم المرصعة في القميص أفل نورهم مع الزمن، وأصطدم بتغير مفاهيم الكرة، التي أثبتت أن الشعار لم يعد فوق أرضية الميدان، والعمل الدؤوب هو المسار الحقيقي للتعملق، نفس الشيء للمولودية العاصمية، التي تريد بشتى الطرق العودة إلى الواجهة القارية، بعدما أكدت علو كعبها في البطولة، لكن الضغط الجماهيري يستطيع فعل ما هو مطلوب أمام متوسط المستوى فقط وبصفة مؤقتة، ليصبح مجرد هتافات أمام عمالقة القارة، شأنه شأن شباب بلوزداد الذي صارع لسنوات من أجل إبراز اسمه في الساحة السمراء، لكن النتيجة ماذا..؟ هزائم ثقيلة متتالية، كما أنه لم يستخلص أي درس من سنوات عديدة، بل الأكثر من ذلك عاد لنقطة الصفر وتراجع بدرجات من أجل إيجاد مكانته القارية من دون جدوى ليبقى الاستثناء في إتحاد الجزائر ولو نسبيا، الذي وجد ضالته وأصبح يقدم المطلوب في المنافسة الثانية قاريا، بحسب إمكانياته، وهو الذي نصّب نفسه مرشح فوق العادة خلال المواسم الأخيرة في منافسة الكونفدرالية، لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه، هل يستطيع الإتحاد تقديم نفس المستوى في رابطة الأبطال؟
النتائج واضحة، والأسباب واضحة، لكن المشكل في التغاضي عن بعضها، وتحميل المسؤولية لطرف على حساب الآخر، فالأمور ستراوح مكانها لسنوات، مادام الكل يتنصل من مسؤولية الكوارث، فإن التزمنا بمنطق العقل فنتائج الفرق الجزائرية قاريا، هو تحصيل حاصل لقوانين لا تتوافق مع متطلبات المستوى العالي، وتسيير فاشل للأندية، إعلام شعبوي وغياب وعي جماهيري، جعلنا ندور في حلقة مفرغة، وندخل في دوامة، لا يمكن الخروج منها إلا بإعادة النظر في كل شيء من القانون المسطر، إلى رؤية المناصر البسيط لناديه.
الجماهير رهينة النجاح المؤقت والتسيير العشوائي للأندية
أول نقطة مهمة، لإعادة الأمور إلى نصابها، وتسطير خارطة الطريق الحقيقية لاستعادة هيبة كرة القدم الجزائرية، وهي إعادة النظر في القوانين الكروية، فتواجد الشركات الوطنية على رأس الأندية، أصبح نقمة أكثر منه نعمة بالنظر لما تقدمه للأندية، لذلك وجب الانتقال من الدعم المالي إلى الاستثمار الرياضي، فالملايير التي تضخ دون نتائج أحد الأسباب التي منحت الحرية للعبث بالكرة، لكن إن تحول التوجه نحو الاستثمار، فالشركات تتسارع لإثبات نجاعتها التسييرية، والتي ستعود بالإيجاب على الأندية، سواء في الفئات الشبانية، أو الأكابر.
وبالحديث عن المسابقات الإفريقية فنتائج عمالقة القارة خلال العشرين سنة الأخيرة، بعثت برسالة للقائمين على الكرة في الجزائر أن التتويجات القارية لا تأتي باللاعبين الشبان، ولا تأتي بتحديد الإجازات، رغم أنها ليست السبب الرئيسي للمهازل، إلا أنها عنصر من عناصر المسؤولية، فالأهلي المصري، والترجي التونسي، وصانداونز الجنوب إفريقي، وآخرهم بيراميدز المصري، حققوا اللقب القاري، بأكثر من سبع لاعبين أجانب، في المقابل أنديتنا لم تتعد الإجازات الأربع، مع تحديد السن، فبنظرة خفيفة على تشكيلة المسيطرين قاريا، نجد أن الأسماء المتألقة تعدت حاجز الثلاثين، كهداف بيراميدز فيستون مايلي، ونجم الترجي التونسي يوسف بلايلي الذي وصل سن الـ33، بالإضافة إلى تريزيغي لاعب الأهلي المصري صاحب الواحد والثلاثين، وهنا نستخلص أنه وبمثال بسيط، لاعب بحجم يوسف المساكني أو النني من مصر أو كهرباء لا يمكنهم اللعب في البطولة الجزائرية بسبب عامل السن، رغم أن قمة النضج الكروي تكون في السن الثلاثين حسب العديد من المختصين.
القوانين المفروضة، لها مسؤولية في هذه النتائج، لكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الأندية والجماهير، التي يكمل بعضها بعضا، فرؤساء الأندية وقعوا ضحية الجهل الكروي، وضعف مجالس الإدارة، بالإضافة إلى الانفرادية في اتخاذ القرارات، وخير دليل أن أفضل نادي جزائري في السنوات الأخيرة مولودية الجزائر، إدارته مشكلة من الرئيس، ورئيس الخلية، بالإضافة إلى مناجير عام، ومدير للفئات الشبانية، وهو عكس تماما الطموحات، فمن يريد المضي نحو الاحتراف الحقيقي، وجب أن تتوسع إدارته نحو النظام المؤسساتي، وخلق شركة كبرى في التسيير الرياضي، لنصل بعدها للحديث عن التسيير الحقيقي، إلا إذا عدنا لنقطة الانطلاق وهي نظرة الشركات المالكة للأندية، بين منح الراحة المالية أو تحقيق الأهداف الرياضية.
التسيير الفاشل لحد الآن، دعمه الإعلام نسبيا بجعل أنديتنا ضخمة، وسوّق لعشاقها على عملقتها وكبرها، باستحضار التاريخ الذي أكل عليه الدهر، بينما الجميع يثابر في القارة السمراء نحو الوصول إلى أقصى المستويات، وهو ما جعل الجماهير منومة بالكلام المعسول، وأصبحت تتحمل مسؤولية ما يحدث، وغابت العقلانية في انتقاداتهم، فالكل يريد الفوز بكل الألقاب من الموسم الأول، والكل يدرك أن ناديه لا يملك الإمكانيات إلا أنه يواصل رفع سقف الطموحات إلى ما فوق الإمكانيات، ما يجعل الإدارات تنتهج سياسية الهروب إلى الأمام والعيش بجرعات الأمل التي تمنحها للأنصار بإحداث التغيير الدائم الذي لم ينته لأزيد من عشرين سنة، ليسقط الجميع في هذه المتاهة، التي أنهكت الكرة الجزائرية، وأضلت طريق المسؤولين، الأندية والمناصرين، لتتجلى الارتجالية في التسيير وهي في أبهى الصور بالرباعيات والخماسيات التي تحملها الأندية في كل تنقل خارج حدود الوطن.
الأكيد أن الأمور لن تتغير، وسيتواصل مسلسل ذر الرماد على العيون، فشبيبة القبائل ستقيل مدربها إذا لم يتأهل، وسيغادر راموفيش شباب بلوزداد لإرضاء الأنصار، وستنتدب المولودية أسماء في الميركاتو، وكأن الحل في نجم يقود الفريق، كما سيرضى إتحاد الجزائر بالمنافسة الثانية قاريا، لتفادي ما تعانيه الفرق الأخرى، وسنعيد الكرة في كل موسم، إلا أن يرضخ الجميع للواقع ويلتزم الفاعلون على إعادة الأمور إلى نصابها، وإلا سنبقى نتفاخر بعدم تلقى هزائم كبيرة أمام الأندية الكبيرة قولا وفعلا.