-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" ترافقهم وتنقل أسرار حياتهم في صحراء الأغواط

البدو الرحّل .. الولاية المنسية

الشروق أونلاين
  • 13672
  • 8
البدو الرحّل .. الولاية المنسية
الأرشيف

يتجشم البدو الرحل عبر مناطق وفيافي ولاية الأغواط -(نموذجا لمناطق انتشار البدو)- على امتداد غير متناه، صعاب ومشاق الحياة بلون مغاير عمّا كان عليه الحال عبر أزمان وحقبات غابرة، في ظل التطور الحاصل في نمطية وشكل وطرق العيش، وحياة البدو ها هنا كلها تحدّ دائم لطبيعة قاسية وتضاريس وعرة، وثقل المعيشة يتحمله الجميع ويتقاسم تبعاته الرحل في ازدواجية تجمع في حيثياتها بين التشبث بالعادات المتوارثة عن الأجداد وتحدي قساوة الطبيعة، وما يميز حياة البدو استغناءهم عن كثير من الحاجيات الغذائية، التي باتوا يوفرونها لأنفسهم، من بينها اللحم واللبن والحليب والسمن، ويومياتهم متشابهة إلى حد كبير.

 كما أن استعدادهم، بما هم عليه، دائم للترحاب واستقبال الضيوف، في مشهد ينمّ عن كرم طائي وجود فياض وقفنا عليه مليا… “الشروق” انتقلت إلى هؤلاء الجزائريين “المنسيين” الذين لا يتذكرهم في كثير من الحالات المترشحون لمختلف الاستحقاقات إلا عندما تعود الانتخابات، فتزورهم أو تلاحقهم صناديق الاقتراع حيثما حلوا وارتحلوا، فيمارسون واجبهم وحقهم بكل انتماء وولاء للوطن.. لكن تلك الصناديق وحاملها ومن بداخلها تودعهم وتقرأ عليهم السلام إلى موعد آخر، بينما لا يعرف الوزراء والمسؤولين الطريق إليهم بالرغم من أنهم يحملون بطاقات تعريف جزائرية.

 

“حورية” أو العشق المتجدد لأكثر من أربعين سنة

وجهة “الشروق” كانت بوادي بلدية عين ماضي غرب الأغواط، التي توقفنا فيها، بالعديد من المناطق بينها (واد بن موسي)، (قفة)، (لقرار)، ( قليب الطير)، (القصة)، (لمخبث)، (زرقون)، (محيقن)، (سبع بولوحات) عبر الفيافي المترامية الأطراف، وفي عمق منطقة حورية استقبلنا الحاج لخضر بن قيط بحفاوة العربي القح الهمام، وكله ترحاب وجود وكرم طائي، ولئن كان لثقل الأيام وبصمات السنين وقع كبير على محياه وتقاسيم وجهه، الذي ألف المكان وظل وفيا له منذ أكثر من أربعين سنة، كانت كافية لأن تنمي فيه شعورا جميلا وعشقا كبيرا لتراب وفيافي وهضبات المكان الذي ظل محافظا على صورة الخيمة المنصوبة، وسط تضاريس طبيعية شبه عذراء ومعزولة عن مظاهر الحضر والتمدن، على امتدادها أكثر من ستين خيمة محاطة بخيم جاهزة.

..وكادت تطمس كل علامات الخيمة المعروفة المكونة من تشكيلة كاملة من الأدوات حدثنا عنها أحد أبناء عمي لخضر، من منطلق أنها لم تعد محل اهتمام الكثيرين، بعد أن شاخت وهرمت نساء الزمن الجميل، وعزفت بنات اليوم على حمل لواء البداوة وتبعاتها كاملة غير منقوصة، والخيمة، كما قال، تتكون من مجموعة ما يعرف باسم “لفليج” وهو قطعة مصنوعة من شعر الماعز وصوف الغنم، بطول معتبر وعرض مميز، وعادة ما تتشكل الخيمة من 11 قطعة منه، يتم فصل جهة الرجال عن النساء بما يسمى بـ”لحيال” الذي هو مكان متعارف عليه لوضع الأغراض مثل أكياس الشعير والنخالة والسميد، واحتياجات المطبخ في جهة النساء، فضلا عن “الخالفة” التي هي بمثابة مخزن آخر للأغراض في زاوية من جهة الرجال، إلى جانب ما يعرف باسم “الرواق” وهو ثقب في أعلى الزاوية التي تستعملها النساء للطبخ. إلى جانب “الشراع” وهو عبارة عن فتحة توجد عند مدخل جهة النساء، وتنصب الخيمة على أعمدة تشدها، عبر شريط صوفي يعرف بـاسم “الشابحة”، وغير ذلك من المكونات من بينها “الطريقة” و”الڤنطاس” وغيرها من المكونات الأخرى.

 

هذه يوميات البدوي ولياليه

قال الساسي، ابن عمي لخضر، في حديثه لـ”الشروق” أن يومياته لا تختلف كثيرا عن بعضها، فهو يخرج صباحا، يتفقد ماشيته داخل ما يعرف باسم “الزريبة” ويزودها بالأعلاف التي توضع في إناء خاص معروف باسم “المجور” ويقوم بعزل الخراف عن أمهاتها، وأما الذي يكون دوره في الرعي يأخذ معه مؤونة يوم كامل، ويرافق القطيع عبر الفيافي على مسافات طويلة قد تتعدى 10 كلم، ومنهم من يكون على دابة ترافقه في حله وترحاله يستعملها لأغراض عدة، من بينها حمل الخرفان التي تولد حديثا على سبيل المثال، في وقت يهتم فيه بقية الإخوة في الخيمة بجلب الماء.

..السفر إلى المدن القريبة لقضاء بعض الاحتياجات خاصة أيام الأسواق الأسبوعية، ويتبادل الجميع أدوار الحياة على مر أيام السنة، في مشهد متجدد شبيه بالتمثيلية ذات الفصول العديدة، وأما النسوة، فيقمن بخدمات المطبخ ورعاية الأبناء، وأما البنات فقد يكلفن ببعض المهام الجانبية من بينها رعي الخراف أو الجديان وغيرها من الأشغال المرتبطة أساسا بالخيمة، ومحيطها القريب، والليل موعد الهدوء والوحشة والسكون، الذي يكون محطة أخرى، يتسلل عبرها الشباب للقاء بعضهم البعض وفق صيغة الدور كما الحال في شهر رمضان، وفي جلساتهم الأخوية البعيدة عن أية حسابات، يتحلّق الجميع على صينيات الشاي والمكسرات وما إلى ذلك ما طاب من مأكل ومشرب، يتبادلون خلالها حكايا الزمن الغابر، ويتسابقون في فك الألغاز و”لمحاجيات”، التي قد يستغرق كشف حلولها ليال وأيام، وسهراتهم قد تطول إلى ساعات متأخرة من الليل، إلا أنها لم تكن لتثنيهم عن الاستيقاظ الباكر لبدء يوم جديد هو بالأحرى نسخة شبه أصلية لسالفه.

 

رحلة الصيف والخريف

يؤكد الحاج لخضر ومن معه، أنه يفضل الاستقرار بهذا العالم الفسيح بشكل متوارث أبا عن جد، وهو الذي زاد عمره عن 93 سنة، يمارس حرفة الرعي بقناعة راسخة مرتبطة بما تجود به الأرض من كلأ هو الزاد الأساس للمواشي، رأسمالهم الوحيد ومصدر رزقهم وعيشهم، ويشير ابنه أن رحلة الصيف التي تقودهم إلى غرب البلاد، حيث الكلأ على امتداد المحيطات الفلاحة وبقايا حصاد المزروعات الموسمية أو ما يعرف بـ: “الحصيدة” التي يستأجرها الموالون بأثمان باهظة، لكن سرعان ما يعود الجميع أدراجهم بعد انقضاء الصيف إلى مرتعهم الأول، وكلهم أمل في فجر وعام جديد بوادره الجميلة تلوح كلما جادت السماء بغيث نافع، لسقاية الزرع وإدرار الضرع، وتجسد حياة البدو الرحل بولاية الأغواط نسقا جميلا من البساطة والتعايش مع كل المتغيرات، في تحد صارخ لعوامل الطبيعة والمناخ في آن واحد، فيه يكون الصبر، الحاضر الدائم والأكبر في هذه المعادلة.

 

المرأة البدوية مثلما أريد لها أن تكون

تتفنن المرأة ها هنا في حياكة ونسج “البرنوس” و”القشابية” أو “الجلابة” التي تعد الرداء الأكثر استعمالا من طرف البدويين، خاصة في الفصول والأيام الباردة، وفي ذلك تفرض “الخلالة” نفسها في عملية نسج الصوف، وهي التي يعتمد عليها في تمرير وتثبيت خيوط الصوف في المنسج التقليدي، للحصول على لباس “القشابية” أو غيرها لارتدائها، اتقاء للعوامل الطبيعية على اختلافها، وللمرأة البدوية دور آخر يتمثل في حياكة الخيمة البدوية والعمل على صيانتها بانتظام من خلال ترقيعها من حين لآخر، كما تتفنن في تحضير طبق الكسكسي، الوجبة الأبرز في حياة البدو.

وفي ذلك يتجدد المثل القائل (الطعام همّة ولو كان على الماء)، وهذا بالنظر لارتباطه الوثيق بخصوصيات المنطقة وبحياة البساطة اللصيقة بتلك أو هاتيك الشريحة الاجتماعية، في حين تحبّذ العائلات أيضا، وجبة “المردود” المعروف في جهات أخرى باسم “البركوكس”، يكون ممزوجا بأعشاب وتوابل تضفي على مذاقه نكهة خاصة.

ولا تتجاوز علاقة المرأة البدوية بالمحيطات الحضرية الطابع المناسباتي في الأفراح والأتراح، عكس الرجل البدوي المرتبطة علاقته بالمدينة في أحايين كثيرة لجلب الاحتياجات والتسوق لبيع وشراء الماشية في الأسواق الأسبوعية، وإذا كان حظ الذكور وافرا في الدراسة مع بعض التحفظ، من منطلق أن الغالبية لا يتعدى مستواهم الطور الابتدائي، سرعان ما يعودون أدراجهم إلى حياة البداوة بعد رواح وغدو وتردّد على المعارف والأحباب أيام الدراسة، فالفتاة غالبا ما يزهد أهلها في تعليمها على اعتبار أنهم تحكمهم عادات وتقاليد، وخصوصيات لا يمكن القفز عليها، وحتى من يحالفهم الحظ لولوج المدرسة من الذين لا يبعدون كثيرا عن المحيط الحضري، لا يتخذ أكثريتهم غير الدواب وسائل نقل للوصول إلى مدارسهم، وتلك مأساة وصورة أخرى من صور العذاب والشقاء المفروضين على صغار البدو الرحل.

 

تقاليد راسخة مهرّبة من التاريخ

ترقبا لعام سعيد مثمر بالخيرات والبركات، يذبح البدوي في الاحتفال بذكرى العام “يناير” وعلى نحو معتاد الدجاج، والنسوة يحضرن عشاء فاخرا، يكون كسكسا يتسيّده لحم الدجاج والبيض، ويوضع فوق الكسكسي كثير من الجبن والسمن العربي الأصيل “القبوري”، وفي السهرة يحضّر الشاي بالنعناع، مع الحلويات فيما يعرف باسم “الدراز”، ويتحلق حوله كل أفراد العائلة حسب كل جنس، وفي عادة ملازمة للمكان والزمان، ينادي الراعي بلغة معينة على غنمه “يسطسط على الشاة”، وعندما تصدر الشاة صوتها وهو “الثغاء”، يستبشر البدوي خيرا بالعام الجديد، وفي منطقة “حورية” دائما، يقيم عرش أولاد زيان سنويا ما يعرف بـ”السبيبة” وهي محطة لإطعام الطعام وقراءة القرآن والدعاء، في مشهد روحاني يجتمع فيه الكبير والصغير، القريب والبعيد، يتوج بدعاء شامل كامل للاستزادة من الخيرات والبركات، والمسامحة والصلح بين المتخاصمين إن وجدوا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • الحاج دحام

    أنا لي موضوع حول السكان الرحل في الفترة الاستعمارية واريد مساعدة من حيث المادة العلمية لمن أراد أن يساعدني في ذلك وشكرا

  • احمد

    نظرة الإستعلاء على الثقافة العربية واللي ينتسب ليها والتفاخر بلغة المستعمر، لعلمك أنا نعرف لغات أخرى والحمد لله بالصح ثقافتي وإنتمائي كعربي مسلم "شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب " يخليني نتكلم بلغة عربية ، فلا أنتم تكلمتم باللغة الفرنسية فأتقنتموها ولا أنتم تكلمتم باللغة العربية فأجدتموها
    وليتوا مضحكة للأمم الأخرى ، هدا من ناحية اللغة ومن ناحية التقليد ، المغلوب يتبع دوما غالبه في كل شيء وعلى الاقل فيه ناس متطبعة بطباع الغالب يحطو الصبغة تاع الأظافر على وجوههم وكي يسألوهم يقولوا هي الموضة

  • بن قيط حاج بشير

    نشكر جريدة الشروق على هذه الالتفاتة الطيبة وطول العمر لك يا سي لخضر بن قيط

  • Ramdane

    Ya si Ahmed commentaire N 3, les tradtions arabes pures se trouvent en Arabie séoudite et le yemen et pas en Afrique du nord. Je demande à ces nomades tout gentilement d'aller rejoindre leurs pays d'origine. Brahmat lwaldine!!!!!!

  • احمد

    هذا مثال على قوة العزيمة و الهمة العالية في صنع الرجال والنساء على حد سواء فلا يتنكرون لأصلهم "لا يتفرنسون في لباسهم وكلامهم ومشيتهم " ولا يقلدون غيرهم وهذا هو بيت القصيد في صنع الشخصية العربية الأصيلة .. تحية إجلال وتقدير كامل لكل محافظ على القيم في كل قطر من الجزائر

  • khalil

    نشكر جريدة الشروق على الجهد المبذول من طرف الصحفيين و كذلك نشكر الصحفيين الذين يجاهدون لإصال الخبر إلى المسؤولين في الدولة و كل الشعب الجزائري ///// في صحرائنا الحبيبة فيها رجال يعانون لكن متشبثين بتقاليدهم و عاداتهم على الدولة أن تراعي مشاكلهم //// لأن في بعض الدول العربية في الصحراء لديهم إمكانيات كبيرة و الجزائر من بينهم .

  • تبسة

    اولا نشكر جريدة الشروق على هذا الروبورتاج الشيق ... قساوة الحياة تنجب الرجال نحن نفتخر بالبدو الرحل.... نتمنى لهم كل الهناء و السعادة ...

  • هبة الجزائر

    يتفكروهم غير نهار الفوط،،كي يروحو يجرو لعندهم ب les 4*4 ،، يلايمو الاصوات نتاعهم وهادوك مساكن على نيتهم.وطنيتهم كبيرة،ويقولو صلاح الجزائر قبل كل شئ.