-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
القرآن كلام الله المنزّل من السّماء

الحلقة 24: ذهول الأخنس بن شريق من بلاغة القرآن الكريم

خير الدين هني
  • 1842
  • 0
الحلقة 24: ذهول الأخنس بن شريق من بلاغة القرآن الكريم

بات الأخنس بن شريق يفكر في أمر القرآن وبلاغته العجيبة المدهشة، فلما أصبح، ذهب إلى أبي سفيان في بيته، فقال‏‏:‏‏ “أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها؛ قال الأخنس‏‏: ‏‏وأنا والذي حلفتَ به كذلك”. ثم ذهب الأخنس إلى أبي جهل، وسأله عما سمعه من النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: “يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسَيْ رهان، قالوا ‏‏:‏‏ منا نبي يأتيه الوحي من السماء؛ فمتى ندرك مثل هذا، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه، فقام عنه الأخنس وتركه‏‏”.‏‏

في تصريح أبي جهل بيان واضح على أن ما صرح به من غير حرج، يمثل الشعور العام لسادة قريش وأشرافهم، وإن لم يصرحوا به، لأن العرب كانوا يحرصون على نيل المكرمات بالتنافس على تبوؤ مراكز السيادة والقيادة والزعامة، وينفقون على بلوغ ذلك كل غالي ونفيس.

ولما سمع الوليد بن المغيرة عم أبي جهل، وهو من سادة مكة وكبرائها وأكثرهم غنى وثراء، سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم- يقرأ في المسجد سورة غافر، فمضى إلى مجلس بني مخزوم وقال: “والله لقد سمعت من محمد كلاماً آنفا، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن أسفله لمغدق، (اسم مفعول من أغدق، ويعني الخير الكثير)، وإن أعلاه لمثمر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (فصاحة وحسن ورونق وعذوبة) وإنه يعلو ولا يُعلى عليه”، ثم انصرف، فقالت قريش: “لقد صبأ الوليد، وقالوا لتصبأن قريش كلها”. فأسرع إليه أبو جهل فقال له: “لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه”، وقد أخذ به أبو جهل فتراجع عن ثنائه على القرآن، فلما حل الموسم وكانت قريش تريد أن تجمع رأيها على قول واحد في شأن النبي -عليه الصّلاة والسّلام- فطلبوا من الوليد بن المغيرة رأيه، فقال: بل أسمع إلى ما تقولونه أنتم، فقالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: لقد عرفنا الشعر كله، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم، ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: “والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه”. فنزل فيه قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا  وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا  وَبَنِينَ شُهُودًا  وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا  ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا  سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ  ثُمَّ نَظَرَ  ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ  ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ  سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ  لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ  لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ  عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (المدثر: 11 – 30).

وهذه الآيات التي نزلت تتوعد الوليد مع سورة المسد التي توعّدت أبا لهب وزوجه، هي الدليل القاطع على أن القرآن كلام الله، لأن الله وحده من يعلم الغيب، وعدم إيمان أبي لهب وزوجه والوليد وموتهم على الكفر يُعدّ من صميم الغيب، فكيف علم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بأنهم يموتون على الكفر فتوعّدهم بالعذاب المهين، في حين لم يرد في أبي سفيان وزوجه وغيرهما ممن أسلموا وحسن إسلامهم قرآن يتوعدهم بالعذاب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!