-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مقدّمة حركة القرآن المجيد في النّفس والمجتمع والتّاريخ

الحلقة (6): لسان القــرآن ولغات البشـر

أبو جرة سلطاني
  • 669
  • 1
الحلقة (6): لسان القــرآن ولغات البشـر

نزل القرآن بلغة قريش. وفي عصر التّنزيل كانت مكّة عاصمة ثقافيّة، وكانت لغتها هي “اللّسان المشترك ” بين العرب جميعا، وقد بلغت يومذاك قمّة عنفوانها ومنتهى انتشارها وذيوع صيتها وبلوغها ذروة نضجها واتّساعها وبيانها ودقّة أدائها.. وصارت مفخرة للعرب يتبارَى كبار الشّعراء بنظْم أرقى القصائد بلسانها ليظفروا بشرف تعليقها على أستار الكعبة زمـن المعلّقات وزمن أسواق الشّعـر ومرحلة الإشعاع الأدبيّ الذي كان يحتفي بأجود القصائد ويراها مُذهّبات يعلّقها على أشرف مكان ليقرأها الغادي والرّائح. فلما نزل الوحي بلسانهم على رجل أميّ منهم، زعم المشركون أنّ مُعلِّمًا -اختلفوا في تحديد هويّته- كان يلقّنه القـرآن العظيم! فأذاع القرآن هذه الفرية: ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر)) (النّحل: 103)، وفنّدها بمنطق مُفحِم: ((لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)) (النّحل: 103).

فمن هذا الذي كان يعلّم محمّدا أدبًا بهذا المستوى العالي من الإحاطة والرّقيّ والذّوق والبلاغة والعلم والأدب والتّشريع ومكارم الأخلاق؟ ولماذا لم يذعْه هو في النّاس بدل أنْ يجعل واسطته رجلا أمّيًّا من قريش؟ ولماذا لم يعمل سادة قريش على قطع الطّريق بينه وبين محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- فيأخذه عنه رجلٌ من القريتيْن عظيم؟ ثم إذا كان هذا المعلّم قد علّمه ما نزل عليه في مكّة من القصار والمفصّل، فمـن أوحى إليه بالطّوال بعد الهجـرة من البقرة إلى التّوبة؟ وهل لسان الذي يلحدون إليه هو من أوحي إليه سورة العلق وهو من أوحى إليه سورة البقـرة؟ أم هما معلّمان اثنان أحدهما مكّاوي والآخر مدني؟ تكفّل أحدهما بقصار السّور واستكمل الآخر طوالها، ثمّ قالا للنّاس: ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)) (الإسراء: 88)؟

فهل لغة القرآن هي لسان العرب؟ ومن هذا الذي كان يعلّم محمّدا القرآن؟

لم يقل الله -جل جلاله-: وما أرسلنا من رسول إلاّ “بلغة” قومه! وإنما قال: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم)) (إبراهيم: 4)، ليقرّر أنّ اللّسان أوسع من اللّغة؛ فاللغة ظاهرة صوتيّة واللّسان حالُ مقال ومقام. والله -جل جلاله- بعث رسوله محمّدًا -عليه الصلاة والسّلام- بلسان أوسع من اللّغة ليبيّن للنّاس الحقّ بلسان حاله وبلسان مقاله. ففي مجال الدّعوة يتّسع الفرق بين اللّسان واللّغة كما بين القول والفعل؛ ففي اللّغة الواحدة لسانُ حال ولسان مقال ولسان سؤال ولسان زمان ومكان وإحسان.. والصّمت لسان أيضا: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) (الفرقان: 63).

المتأمّل في المواضع التي وردت فيها لفظة “لسان” واشتقاقاتها اللّغوية، وهي  أربعة وعشرون موضعا، يدرك أنّ فصاحة اللّسان التي تحدّث عنها موسى -عليه السّلام- ونسبها لأخيه هارون -عليه السّلام- لم تكن فصاحة بيان بدليل أننا لم نسمع لهارون صوتا في منازلة فرعون: ((وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)) (القصص : 34)، فهي فصاحة تصديق وإزْر وليست فصاحة قول وبيان، وهي رصانة هيئة ورباطة جأش وضبط انفعال، وهي الأدوات التي عالج بها فتنةَ السّامري بني إسرائيل لما نصب لهم العجل الذّهبي، فأبقى على وحدة صفّهم حتّى رجع إليهم موسى -عليه السّلام- ليعالج المسألة بما أتاه الله من سلطان على قومه.

فاللّسان الذي اختاره الله تعالى ليكون وسيلة خطاب للعالم كلّه بكلامه المبين، ليس هو اللسان اللّغويّ الذي كان فيه لبعض القبائل عُجْمةٌ وتلكّن وكسْر إعراب، بل هو لسان أوسع من لغة قريش وأبلغ من خطابها وأفصح من أشعارها وسجْعها وأمثالها، فهو لسان مُعرب واضح قويم “عربيّ مبين”؛ أيْ فصيح بيّن لا يحتاج إلى ترجمان. فاللّغة كلمات وألفاظ يلغو بها من علّمه الله منطقها فيكون لكلّ أمّة لغتها: فلأمّة النّمل لغة، ولأمّة الأنعام لغات وللأسماك لغة وللطّير لغة وللذّباب والنّحل والبعوض لغة تواصل وتفاهم واتّفاق. وقد علّم الله نبيَّه سليمان -عليه السّلام- منطق الطّير ولغة النّمل ولغْو الجنّ ففهم عنهم وخاطبهم وتبسّم ضاحكًا من قول نملة. أمّا اللّسان فأوسع من اللّغة وأكثر استيعابا لقضايا الحياة لحاجة الرّسول إلى البيان والبلاغ، فمن اللّسان الثّقافة واللّباقة والبداهة والنّباهة والحكمة وسرعة الفهم وتلقائيّة الردّ.. وقد أنزل الله كلامه بلسان واضح بيّن: ((وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) (فُصّلت: 44)، فهِم المشركون مقاصدَ القـرآن الكريم بعراقة السّليقة اللّغويّة التي كان عليها لسانهم، وأوّل ما فهموه معنى شهادة التّوحيد فعجبوا من دعوة القرآن الكريم الناس إلى توحيد المعبود بجعل الآلهة كلّها إلهًا واحدا: ((أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) (ص: 5)، ولأنهم كانوا على علم بلسان الوحي فلم يسألوا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- سوى عن قليل نادر من الألفاظ الطّارئة على أساليبهم لما أدركوا -بعمق ووعي- معنى توحيد الإله ودلالات ما تعنيه جملة “لا إله إلاّ الله”، فلم يشغلوا أنفسهم بالسّؤال عما نحاول نحن اليوم الدّندنة حوله، لأنهم كانوا يعرفون بالسّليقة والفَطِنة والقريحة الذّكيّة أسرار لغتهم وما تعنيه اللاّم النّافيّة للجنس إذا جاء بعدها استثناء حصريّ.

لما سمعوا القرآن فرّقوا بين حقيقة ألفاظه ومجازها وبين صريحها وكنايتها وبين البديع والبيان والمشترك والمخصّص، وبين الوصل والقطع والتّقابل والتّنافر والإطناب والحذْف والالتفات والاستدارة والجمْع والنّشر… وغيرها من أساليب اللّغة العربيّة. فقد كان شعراؤهم ذوي حسّ لغوي مرْهف وأذن موسيقيّة حاذقة بالإيقاع والنّغم وذوق جماليّ ماتع أخّاذ. كما كان بلغاؤهم وخطباؤهم وكهّانهم يناطحون السّحاب بما جُبلوا عليه من اتّقاد ذكاء ولمعة فطنة وحضور بداهة وامتلاء قريحة وسرعة فهم وقدرة عجيبة على النّظم والنّثر، وتحكّم دقيق بأساليب الإنشاء والخبر والإيجاز والحذف واستخدام الاستعارة والكناية والتّمثيل والتّعريض والأمثال والحكم والتّلميح والتّصريح والاستفهام والتّقرير والإنكار والتّوريّة والإفصاح والمعاريض. فلما استخدم القـرآن الكريم هذه الأساليب المعهودة عندهم وأضفى عليها روْنقا وجمالا وحسنا وبهاءً وجلالا؛ فجمّلها وجوّدها وتوسّع فيها، انبهروا بما كان يخاطبهم به محمّد -عليه الصلاة والسّلام- ولم يجدوا ما يقولونه للنّاس من أمـر هذا القـرآن سوى أنه سحرٌ يؤثر، فتبلبلوا في الجواب فقالوا: شاعر، لا ليس شاعرا، بل هو ساحر، بل هو كاهن، بل هو مجنون! بل هي أساطير الأوّلين اكتتبها، بل ما جاء به سحر يؤثَر…!

أمام عجزهم عن مواجهة وحي السّماء منّوا أنفسهم بأنّ محمّدا رجلٌ سيموت إن لم يُقتل، وتداعوا إلى الصّبر والارتقاب: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)) (الطّور: 30)، شاعر سيتكفّل الدّهر بطيّ سجلّه ويريحنا الموت منه: ((قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)) (الطّور: 31)، ترقّبوا ريبَ المنون بمحمّد وانتظروا هلاكه، وسوف ينتظر هلاككم، والله من فوقكم رقيب. بهذه الأماني كذّبوا الوحي وسفّهوا عقولهم وهم يعلمون أنهم كاذبون؛ فالمتّهم عندهم لم يكن -قبل تلقّيه الوحي- خطيبًا مفوَّهًا ولا كاهنًا قال سجعا ولا شاعرًا ترنّم بقصيد. بل لم يكن من فصحائهم المعدودين في الملأ والمتحدّثين في نواديهم كحال الوليد بن المغيرة وقسّ بن ساعدة الإيادي وعروة بن مسعود الثّقفي وسُهيْل بن عمرو.. فهل يعيش الرّجل في قومه أربعين سنّة أميًّا ثم يتفجّر فجأة حكمةً ونبوغًا يبهت المفوّهين بفصاحة ما يتلو عليهم، ويتحدّى إنسهم وجنّهم بأنِ يأتوا بمثل ما جاءهم به إذا كان القرآن مفترًى عليهم: ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (يونس: 38)، إذا كان هذا القرآن من افتراء محمّد “فافتروا” مثله”! وقولوا لمحمّد -صلّى الله عليه وسلّم- إنّ كلامك هذا مردود عليك بما هو أفصح منه لسانا وأقوم قيلا، وها قد جئناك بمثله وكشفنا افتراءك على النّاس. ولكنّهم لم يفعلوا لأنهم لم يستطيعوا فصرفوا جهودهم عبثًا إلى الصدّ عن سبيل الله بمحاولة اللّغو في القرآن أملاً في صرْف النّاس عن سماعه أو خلطه بكلام البشر: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)) (فُصّلت: 26).

لم يُجدهم لغوهم في كلام الله فطلبوا من رسوله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يأتيهم بقرآن آخر غير الذي كان يتلوه عليهم، أو يستبدل الآيات التي تسفّه أحلامهم وتدين أصنامهم بما يرضي غرورهم ولا يُسخط عليهم آلهتهم ظنّا منهم أنّ محمّدا -عليه الصّلاة والسّلام- هو ناظم القـرآن وهو المتصرّف فيه بالزّيادة والنّقصان. فكان ردّ المولى -جل جلاله- عليهم جميعا دامغا لمزاعمهم: ((قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون)) (يونس: 16)، أنبأهم أنه ليس له من الوحي سوى شرف التّنزيل والبلاغ والبيان وقد عاش معهم أربعين عامًا صادقًا، فلم يكذب على بشر مثله ولم يدّعِ ما يلفت إليه الأنظار، فهل يليق به -بعد هذا العمر- الافتراء على الله؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • ابراهيم

    حبذا لو عرف الكاتب اللغة و اللسان و الفرق بينهما عند علماء اللغة. على ما أعتقد أن جميع اللغويين أجمعو أن اللغات ظاهرة ديناميكية. اللغة واللسان كلمتان مختلفتان يجب استخدامهما بشكل مختلف. اللغة هي طريقة للتعبير عن الفكر عن طريق الأصوات اللفظية. لكن اللسان و اللسانيات هي فرع من فروع الدراسة التي تتعامل مع اللغات. إنها دراسة مقارنة للغات. والظاهر أن قريش كانت تسمي "ما نسميه اليوم لغة" لسان.. فعلم الدراسات اللغوية تسمى في جميع الجامعات بعلم اللسانيات linguistics و ليس لغات languages. قد نسميها لغة أو لسان أعتقد أنها شيء واحد عند العامة و لكن لانتاج اللغة الصوتية يحتاج الانسان الى اللسان و الفم و الاسنان و الشفتان و الحلق و الرئتان.. "و من ءاياته خلق السماوات و الارض واختلافو ألسنتكم و و ألوانكم أن في ذلك لايات للعالمين" فلسان البشر الفزيولوجي واحد أما لغات البشر تعددت (أي صياغة و نمط الاصوات) و الله اعلم .. إنها معجزة الله في الخلق مثل لون البشرة