الرايس مامي أرناؤوط .. أمير البحار الألباني الذي عشق الجزائر
تعددت أسماء هذا الرايس الشهير.. هو تارة مامي أرناؤوط، ومحمد الألباني، أو ميمي أرنوط تارة أخرى، بحار ورايس من أصل ألباني، اعتنق الإسلام وتغيرت حياته ليصبح الآمر الناهي في البحرية الجزائرية، في القرن السادس عشر. ما قصة صعوده من عبد مملوك إلى أمير بحار أكبر البلدان في تلك الحقبة.
يعود أصل عائلة الرايس مامي إلى شمال أوروبا، وبالضبط إسكندينافيا، وطردوا من المنطقة إلى الجنوب الشرقي من أوروبا لاعتناقهم الإسلام، وتمركزوا في تيشكسلوفاكيا ثم انتشروا في ألبانيا، التي كانت تعرف قديما ببلاد أرناؤوط، ونسبة إلى بلده سمي الأرناؤوط. أما اسم مامي، فقد أطلق الأتراك عليه هذا الاسم، وهو يعني الرجل الأبيض، لكونه وقومه كانوا من ذوي البشرة البيضاء والعيون الزرقاء.
رحلة مامي إلى الجزائر، بدأت بأسره حين كان شابا ليصبح عبدا لأحد البحارة، ولكن لم يبق كذلك، بل عمل جاهدا ليرتقي في البحرية من بحار إلى رايس بحر شهير، على رأس أسطول بأكمله. شارك رايس مامي في معركة ليبانت، عام 1571، التي شهدت انهزام الجيش العثماني أمام تحالف الصليبيين. قاد ثورة ضد قائد رمضان، الذي استولى مؤقتا على إيالة الجزائر، ولكنه لاذ بعدها بالفرار. تقلد مامي أرناؤوط زمام الحكم في الجزائر إلى حين عودة حسن فينيزيانو، عام 1582 ليمنحه هذا الأخير لقب رايس البحر.
وحش البحار
تتناقض النبرة الودية لخطابات الفدية التي كان يرسلها الرايس مامي إلى أمراء أوروبا، مع بطشه الشديد وسمعته المخيفة، التي كانت تهز أكبر عروش القارة العجوز. بقي اسم مامي أرناؤوط راسخا في الذاكرة الأدبية، بسبب الصدفة التي لاقته بأشهر كاتب إسباني إلى حد الساعة، وهو ميقال دي سيرفانتز، صاحب الرواية المشهورة “دون كيشوت دي لامانشا”. ففي 26 سبتمبر 1575، استولى الرايس مامي مع ملازمه الرايس من أصل يوناني “دالي” على سفينة تدعى “دال سول”، انطلقت من ميناء نابولي باتجاه إسبانيا، وكان على متنها سيرفانتيز وأخوه رودريغو، وقد أدخل الرعب على كابتن السفينة وركابها، بهجوم كاسح على متن سفينتين تحمل كل منهما 22 مدفعا.
ووصف دي سيرفانتيز دخوله العاصمة قائلا: “حين وصلت أسيرا إلى الجزائر، ووطئت تراب هذه الأرض التي تؤوي القراصنة وتحميهم، لم أستطع أن أحبس دموعي من الخوف”. وأكد سيرفانتيز أن الرايس مامي باعه بـ500 قطعة ذهبية، وأنه عاش أحلك لحظات حياته في السجن، الذي حاول الفرار منه مرارا، قبل أن يتم إطلاق سراحه في صفقة مع الحكومة الإسبانية.
القصر 18
لم يتبق من إرث الرايس مامي سوى قصره، الذي يحمل اسم القصر الأحمر، أو القصر رقم 18، في مجمع رياس البحر بالعاصمة، وقد زوده بمدفعية لا تزال شاهدة على عصره الذهبي. بعد استقراره في الجزائر، أحضر الأرناؤوطي عائلته من ألبانيا، واستقروا في قصره الفخم، على تخوم القصبة العتيقة. وأنجب ولدين، محمد ومصطفى، الأول استقر في تلمسان، ومصطفى استقر في المدية.
وتوسعت عائلة مامي في ربوع الجزائر من تلمسان، تنس، المدية، بوفاريك، سطيف، إلى غاية قسنطينة وتونس.