استُشهدوا وفي قلوبهم غصّة
في كل الحروب المصيرية بين الحق والباطل، يُقبل المقاومون إلى ساحة الوغى، وهم يضعون قدمين في الآخرة، أو إلى حيث لا رجعة عن مواقفهم، طلبا لإحدى الحسنيين: إما الشهادة والخلود في ذاكرة الناس، أو تحقيق النصر، الذي هم مقتنعون بتحقيقه طال الزمنُ أم قصُر، إلا في المقاومة الفلسطينية واللبنانية، حيث في القلب غصّة، من أمة توفرت لها أسبابُ النصر الكبير، ولكنها تقاعست وتخاذلت وجنحت للسلم المُذلّ، وما جنح ظالمها، وفضَّلت أن تبقى هاهنا قاعدة.
الرسالة التي كشفت عنها كتائب الشهيد عز الدين القسام، ذراع المقاومة المسلحة لحركة حماس، لشهيدها المغتال مؤخرا، عز الدين الحداد، وهو يُعبّر فيها عن حزنه لإحجام الساحات الإسلامية والعالمية عن مساندة أهل غزة بالفعل المباشر، على مدار سنتين من حرب الإبادة والتجويع، تُظهر أن ما جنته الأمة بمواقفها التي لا بذل فيها، كان أقسى على المقاومة من أفعال الأعداء من صهاينة العالم.
الأمر لم يتوقف عند اللامبالاة، وتغميض الأعين عمّا حدث من مجازر، بل انتقل إلى وصف المقاومين بـ”الإرهاب”، والتعاون مع الأعداء لأجل تقوية شوكتهم، كما فعل بعض المحسوبين على الإسلام من دبي إلى مراكش.
وفّرت المقاومة أسباب دعمها في غزوتها في السابع من أكتوبر 2023، عندما أشركت كل قادتها وأبنائها من دون استثناء، في التضحية بالنفس في طوفان يبغي تحرير الأقصى الشريف، واستُشهد فيها كل الذين اتّهموهم زورًا بأنهم يرقدون في فنادق الدوحة وإسطنبول الفخمة، حتى كادت شجرة إسماعيل هنية مثلا، أن تُنتزع من جذورها، بعد أن استُشهدت أغصانٌ بالكامل، ومع ذلك ظلت الأمة صامتة، وكأن على رؤوسها الطير.
ووفَّر الصهاينة أسباب ثورة الأمة عليهم، وجعل الحرب، حربَ بقاء تكون فيها الأمة أو لا تكون، عندما لم تترك جريمة وقعت في التاريخ وتصوَّرها عقل البشر أو لم يتصوَّرها إلا واقترفتها، في حق مرضى وشيوخ وأطفال ونساء غزة، ومع ذلك ظلت الأمة مثل الصنم غير قادرة على الحركة فاقدة للشيء… فكيف تُعطيه؟
الجميل في رسالة عز الدين الحداد، أن غُصّتها ما انتهت بيأس، وإنما بإرادة وإصرار على أن الحق سينتصر حتى ولو حمل رايتَه مقاومٌ واحد، في وجه البشرية جمعاء.
والأجمل، أن الذين خذلوا الأمة لن يُنقصوا من المقاومة إرادة، ولن يضيفوا للأعداء سندا.
فالحق كما يقول عز الدين القسام قد يغيب مثل الشمس، ولكنه سيشرق يوما ما.