-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف يوظف المخزن معاناة المغاربة للضغط على إسبانيا وأوروبا؟

كيف يوظف المخزن معاناة المغاربة للضغط على إسبانيا وأوروبا؟
ح. م

لم تكن صور وفيديوهات آلاف المغاربة وهم يتدفقون نحو مدينتي سبتة ومليلية الإسبانيتين مجرد مشاهد جديدة في سجل الهجرة غير النظامية، بل أعادت إلى الواجهة مشهدًا يكاد يتكرر كلما دخلت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة من التوتر أو إعادة التموضع السياسي.

فالمشهد الذي تابعته وسائل الإعلام يوم أمس أعاد إلى الأذهان مباشرة أحداث ماي 2021، عندما فتحت الحدود على نحو غير مسبوق أمام آلاف المهاجرين عقب استقبال إسبانيا لرئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية السيد  “إبراهيم غالي” لتلقي العلاج ، في أزمة كشفت آنذاك كيف يمكن أن تتحول الهجرة إلى أداة ضغط سياسي في يد الرباط.

فأي متابع لهذا الملف لا يحتاج إلى كثير من التدقيق حتى يلاحظ حجم التساهل الأمني المغربي الذي رافق موجة العبور الأخيرة. فمئات، بل آلاف المواطنين المغاربة تمكنوا من الوصول إلى السياج البحري الفاصل بين الأراضي المغربية ومدينة سبتة الإسبانية ومحاولة اجتيازه وسط غياب الردع المعتاد، في وقت خصصت فيه وسائل الإعلام المغربية، وخاصة القريبة من السلطة، تغطية إستثنائية للحدث، بما يوحي بأن ما جرى لم يكن مجرد إنفجار إجتماعي عفوي، وإنما حدث جرى التعامل معه، على أقل تقدير، بقدر كبير من التساهل الذي سمح بتحوله إلى رسالة سياسية موجهة إلى مدريد وبروكسل.

وتؤكد الصور ومقاطع الفيديو المتداولة أن آلاف المغاربة، الفارين من الجحيم ، وواقع إقتصادي وإجتماعي خانق، وجدوا سهولة لافتة في الوصول إلى الحدود واختراقها، وهو أمر يصعب تفسيره في ظل القبضة الأمنية المشددة التي تفرضها السلطات المغربية عادة على منافذ الهجرة. ولذلك  لم يكن مستغربًا أن ترتفع داخل إسبانيا أصوات سياسية وبرلمانية تطالب الحكومة بإستدعاء السفيرة المغربية، وتشديد الرقابة على الحدود الجنوبية، بل والدعوة إلى الإغلاق الفوري لمعبر سبتة، معتبرة أن الرباط تعيد استخدام ملف الهجرة كورقة إبتزاز سياسي في مواجهة مدريد والاتحاد الأوروبي.

ويكتسب هذا التطور دلالة أكبر إذا ما وضع في سياقه السياسي. فقد جاء التدفق الجماعي للمهاجرين بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسباني” بيدرو سانشيز” إلى الجزائر، وإعلان الطرفين إعادة بعث العلاقات الثنائية وتوقيع اتفاقيات جديدة في جميع المجالات ، تعزز التقارب بين البلدين بعد فترة من الفتور. ولم يمر هذا التوقيت دون أن يثير انتباه المتابعين، إذ رأى عدد من الخبراء أن “السماح” بخروج هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين لم يكن سوى رسالة ضغط جديدة تحاول الرباط من خلالها تذكير مدريد بأن أي تقارب مع الجزائر (القوة الضاربة في شمال إفريقيا) ستكون له كلفة سياسية وأمنية.

ولم يكد “سانشيز “يعلن إعادة تنشيط الشراكة الإسبانية الجزائرية حتى بدا وكأن واحدة من أكثر أوراق الضغط حساسية قد أخرجت من جديد. فالهجرة غير النظامية، التي يفترض أن تكون قضية إنسانية وأمنية مشتركة، تتحول في كل أزمة دبلوماسية تقريبًا إلى وسيلة مساومة سياسية، في مشهد أصبح مألوفًا في العلاقات المغربية الأوروبية.

وخلال يومين فقط، تجاوز عدد الوافدين إلى سبتة ألفًا وخمس مئة  مهاجر(1500)، بينهم عشرات القاصرين، في تزامن لافت مع ما يسمى بخطاب العرش. وبينما كانت الخطابات الرسمية تتحدث عن الاستقرار والتنمية والازدهار، كانت صور مئات الشباب المغاربة وهم يخاطرون بحياتهم سباحة نحو الضفة الأوروبية تقدم رواية مختلفة تمامًا، يصعب تجاهلها أو التغطية عليها.

فالحقائق التي يرسمها البحر غالبًا ما تكون أكثر صدقًا من البلاغات الرسمية. فمن غير المنطقي أن تتحدث السلطة عن نجاح اقتصادي شامل فيما يختار آلاف الشباب ركوب البحر أو تسلق الأسوار هربًا من واقعهم. إن الهجرة الجماعية بهذا الحجم لا تعكس نجاحًا تنمويًا، بل تكشف عمق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وتفضح حجم اليأس الذي يدفع آلاف المغاربة إلى المخاطرة بحياتهم بحثًا عن مستقبل خارج وطنهم.

وتبرز هنا مفارقة سياسية يصعب تجاهلها. فالرباط لا تتوقف عن وصف سبتة ومليلية بأنهما “مدينتان مغربيتان محتلتان”، لكنها في كل مرة تجد نفسها تسمح بتحولهما إلى بوابتين لعبور آلاف المغاربة نحو أوروبا، في تناقض واضح بين الخطاب السياسي والممارسة الواقعية.

غير أن القضية لا تتعلق بالأزمة الداخلية المغربية وحدها، وإنما تمتد إلى توظيف معاناة المغاربة المغلوب على أمرهم في خدمة أهداف سياسية وإقليمية، وفي مقدمتها ممارسة الضغط على إسبانيا والاتحاد الأوروبي في الملفات الحساسة، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية آخر مستعمرة في إفريقيا .

وليس هذا السلوك جديدًا أو معزولًا عن سياقه التاريخي، بل تؤكده سلسلة من الوقائع التي تكررت خلال السنوات الماضية. ففي أوت سنة 2014 تدفق نحو ألف ومائتي مهاجر إلى السواحل الإسبانية في يوم واحد عقب أزمة تفتيش اليخت الملكي المغربي من قبل الحرس المدني الإسباني. وفي فيفري 2017 اقتحم أكثر من 800 مهاجر سياج سبتة خلال أربعة أيام، بالتزامن مع صدور أحكام أوروبية استثنت منتجات الصحراء الغربية من الاتفاقيات التجارية الموقعة مع المغرب.

وفي سنة 2020 ارتفع عدد الوافدين إلى جزر الكناري إلى نحو ثلاثة وعشرين ألف مهاجر، بزيادة قاربت خمسمائة وثلاثة وسبعين بالمائة مقارنة بعام 2019، وذلك في ظل توترات سياسية بين الرباط ومدريد بشأن ترسيم الحدود البحرية في المحيط الأطلسي.

أما في ماي 2021 فقد شهدت أوروبا واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي عندما دخل ما بين عشرة آلاف واثني عشر ألف مهاجر مدينة سبتة خلال ساعات معدودة، بينهم نحو ألفي قاصر، تحت أنظار قوات الأمن المغربية، بعد استقبال إسبانيا للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي للعلاج، وهي الأزمة التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أبرز محطات التوتر بين الرباط ومدريد.

وتؤكد هذه السوابق أن فتح أو إغلاق طرق الهجرة لا يخضع دائمًا لاعتبارات اجتماعية أو أمنية، وإنما يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة ضغط دبلوماسية تستخدمها الرباط كلما ضاقتوبها السبل في تحقيق مآربها الخبيثة في المنطقة أو كلما تعقدت علاقاتها مع شركائها الأوروبيين.

وفي المقابل، يواصل المغرب تقديم نفسه بإعتباره “حارس الحدود الجنوبية لأوروبا”، ويؤكد باستمرار أنه ينفق مئات ملايين اليوروهات سنويًا لمكافحة الهجرة غير النظامية، كما يطالب الاتحاد الأوروبي بزيادة الدعم المالي المخصص لهذا الملف، ويعد من أبرز المستفيدين من برامج التمويل الأوروبية الخاصة بإدارة الحدود والهجرة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2027.

غير أن هذا الواقع يطرح داخل أوروبا أسئلة متزايدة حول جدوى استمرار الاعتماد على الرباط كشريك رئيسي في إدارة الهجرة، طالما أن موجات العبور الجماعي تتكرر كلما برز خلاف سياسي جديد أو تبدلت موازين العلاقات الإقليمية.

ولا تتوقف الانتقادات الأوروبية عند ملف الهجرة فقط، بل تمتد إلى قضايا أخرى، من بينها الاتهامات المتكررة بانتهاكات حقوق الإنسان وبالأخص في الجزء المحتل من الصحراء الغربية  ،واستعمال برنامج التجسس “بيغاسوس”، والتضييق على حرية الصحافة والتعبير، فضلًا عن استمرار الجدل القانوني والسياسي المرتبط بالصحراء الغربية واستغلال مواردها الطبيعية، بعدما أكدت قرارات محكمة العدل الدولية ومحاكم الاتحاد الأوروبي أن الإقليم منفصل عن المغرب، وأن استغلال موارده دون موافقة شعبه غير قانوني
وهي ملفات تلقي بظلالها على طبيعة العلاقة بين الرباط وشركائها الأوروبيين.

إن سياسة نظام المخزن لم تعد  تهدد أمن أوروبا وحدها ، بل جميع دول الجوار  بإعتباره بؤرة لشبكات المخدرات الدولية.

فتهريب المخدرات المرتبط بالمغرب كجزء من جيوسياسية غير تقليدية، مشابهة  أيضا في تأثيرها لاستخدام الهجرة كأداة سياسية للابتزاز والمساومة لكسب دعم عن طريق الضغط لشرعنة إحتلال الصحراء الغربية.

إن أخطر ما في سياسة المخزن ليس فقط فشلها في توفير شروط العيش الكريم لملايين المغاربة، بل إصرارها على تحويل معاناتهم إلى وسيلة للمساومة والضغط كلما واجهت عزلة أو أزمة سياسية. فالدولة التي يُغادرها شبابها أفواجًا هربًا من اليأس لا يحق لها أن تتباهى بإنجازات وهمية، والدولة التي تجعل من الهجرة ورقة تفاوض لا تستطيع الادعاء بأنها شريك موثوق في صناعة الأمن والاستقرار. ومهما نجحت آلة الدعاية المخزنية في تجميل الصورة، فإن البحر يبقى الشاهد الأكثر قسوة؛ فهو يكشف، في كل موجة هجرة، اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع يفرض نفسه على العالم بلا رتوش.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!