-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فرنسا تُضحِّي بِلُغَتها: استقطاب 30 ألف طالب هندي

فرنسا تُضحِّي بِلُغَتها: استقطاب 30 ألف طالب هندي

عندما زار الرئيس الفرنسي الهند خلال هذه السنة، خاطب باللغة الإنكليزية الطلبة والباحثين الهنود، قائلا: “كونوا على يقين بأنكم إذا جئتم إلى فرنسا، فستحظون بأفضل تكوين … وأنكم ستتلقون جميع دروسكم باللغة الإنكليزية”. وقد ذكّر ماكرون بهدف فرنسا الرامي إلى استقطاب 30 ألف طالب هندي بحلول عام 2030، علما أن هذا العدد لا يتجاوز الآن 10 آلاف.

  1. 1. لماذا الهند؟

تُعدّ الهند اليوم أكثر بلدان العالم سكانًا إذ قارب عدد مواطنيها 1.5 مليار نسمة، متقدمة في ذلك على الصين. كما تمتلك واحدًا من أضخم أنظمة التعليم العالي في العالم. وتشير أحدث البيانات إلى وجود أكثر من 44 مليون طالب في هذا البلد الذي يضم أزيد من 1200 جامعة، إضافة إلى مئات المعاهد المتخصصة. ويفوق عدد المسجلين في برامج الماجستير والدراسات العليا 6 ملايين طالب. وهكذا تمتلك الهند رصيدا بشريا وعلميا وتكنولوجيا هائلا، تدعمه قاعدة سكانية شابة والتوسع المستمر في التعليم العالي.

وتتميز الهند اليوم، بصورة خاصة، ببيئة علمية وصناعية متقدمة في مجالات التكنولوجيا والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي والرقمنة وعلوم البيانات والهندسة التقنية. وقد فرضت الهند نفسها كقوة عالمية كبرى في هذه المجالات. كما أنها تطور بسرعة قدراتها في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والأمن السيبراني والبرمجيات والتكنولوجيات الرقمية. وهذا بالضبط ما يهمّ استراتيجية الحكومة الفرنسية: جلب أكبر عدد ممكن من هؤلاء الطلبة الذين تكوّنوا في هذه البيئة العلمية المتميّزة ليطوّروا هذه المجالات المعرفية في فرنسا خلال دراستهم.

ومن هنا يصبح الطالب الهندي أكثر من طالب أجنبي يدفع رسوم الدراسة أو يحصل على شهادة. إنه شاب قد يصبح مهندسا أو باحثا أو متخصصا في الذكاء الاصطناعي أو مديرا في شركة دولية، وقد يعمل في فرنسا سنوات بعد تخرجه، أو يعود إلى الهند ليشغل موقعا مؤثرا في اقتصادها المتنامي. وفي الحالتين يبقى الرابط الذي نشأ بينه وبين فرنسا بالغ الأهمية من المنظور الفرنسي.

وهنا تلتقي مصلحة الطرفين. فالهندي الذي يبحث عن تعليم أوروبي يجد في فرنسا التي تتمتع بوجود جامعات ومؤسسات علمية قوية، وبرامج متزايدة باللغة الإنكليزية، وتكاليف يمكن أن تكون أكثر تنافسية من بعض الوجهات الأنكلوسكسونية التقليدية. أما فرنسا فتجد في الهند خزانا هائلا من الشباب المتميّز علميا الذي يمكن أن يغذي جامعاتها ومختبراتها وشركاتها في ميادين إستراتيجية.

  1. 2. الخيار الفرنسي

تشير الاحصائيات الفرنسية إلى أن هناك أزيد من 440 ألف طالب أجنبي في فرنسا عدد كبير منهم من المستعمرات القديمة: المغرب (43000 طالب)، الجزائر (34000 طالب)، السنغال (17000 طالب)، تونس (15000 طالب)، ساحل العاج (12000 طالب). لكن هناك أيضا طلبة من أوروبا، مثل إيطاليا (21000) وإسبانيا (12000)، وكذا من آسيا مثل الصين (27000). لكن فرنسا تعوّل أكثر على الطلبة الهنود في جملة من الاختصاصات.

لم يعد استقطاب الطلبة الأجانب في هذا البلد مجرد مسألة أكاديمية تتعلق بملء مقاعد الجامعات أو تنويع جنسيات الطلبة. فقد أصبح هذا الاستقطاب، في الدول الكبرى، جزءًا من سياسة أوسع تجتمع فيها التربية مع الاقتصاد والبحث العلمي والتكنولوجيا والدبلوماسية. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة القرار الفرنسي الرامي إلى استقبال 30 ألف طالب هندي في فرنسا بحلول سنة 2030. فالرقم كبير، والبلد المستهدف اختير بدقة، والتخصصات التي يجري الترويج لها ليست اعتباطية، كما أن مسألة اللغة تكشف جانبا مهما من التحوّل الذي تعرفه السياسة الفرنسية في التعليم العالي.

ومن هذا المنظور، تريد فرنسا أن تضاعف بصورة كبيرة عدد الطلبة الهنود الموجودين في جامعاتها وكلياتها: كان الهدف السابق هو الوصول إلى 20 ألف طالب هندي في حدود 2025، قبل رفع السقف إلى 30 ألفًا في 2030. وقد بلغ عدد الطلبة الهنود في التعليم العالي الفرنسي نحو 9100 طالب في 2024-2025، أي أن تحقيق الهدف الجديد يتطلب جهدا كبيرا خلال السنوات القليلة القادمة من قبل الحكومة الفرنسية… وهذا ما تقوم به الآن.

لكن لماذا تحتاج فرنسا إلى هذا العدد؟ لقد أصبح الطلبة الدوليون بالنسبة إلى الدول المتقدمة موردًا استراتيجيًا كما أسلفنا: هم مصدر للكفاءات، والبحث العلمي، والابتكار، وأحيانا لسدّ حاجات سوق العمل، فضلا عن أنهم يشكلون، بعد عودتهم إلى بلدانهم، شبكة بشرية يمكن أن تخدم العلاقات الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية لعقود. ولهذا نجد فرنسا توجّه حملاتها مباشرة إلى المدن الهندية الكبرى، وتشارك مؤسساتها الجامعية والعلمية في معارض وفعاليات لاستقطاب الطلبة المتميزين من هذا البلد: إنها لا تنتظر الطالب الهندي، بل تذهب إليه في عقر داره.

وتزداد دلالة هذا المشروع عندما ننظر إلى نوعية التخصصات التي تحتل مكانا بارزا في العرض الفرنسي. فالمسألة لا تدور أساسًا حول استقطاب أعداد كبيرة من الطلبة في جميع التخصصات بصورة متساوية، بل هناك اهتمام واضح بمجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار.

يرى الخبراء أن المنافسة العالمية المقبلة ستدور بصورة متزايدة حول الذكاء الاصطناعي، والحوسبة، والبيانات، والروبوتات، والطاقات الجديدة، والصناعات المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى أعداد كبيرة من الكفاءات عالية التأهيل. ومن ثم، فإن الطالب الذي تسعى فرنسا إلى استقطابه يُراد له أن يصبح جزءًا من منظومة البحث والإنتاج والابتكار فيها، وأن يسهم، بعد تخرجه، في تلبية احتياجات سوق العمل من الكفاءات التي تحتاج إليها الشركات الفرنسية.

  1. 3. الإنكليزية تدخل من الباب الفرنسي

ربما تكون اللغة هي الجانب الأكثر إثارة في المشروع. فلفترة طويلة ارتبط التعليم الفرنسي باللغة الفرنسية، وكانت اللغة جزءًا أساسيًا من القوة الثقافية الفرنسية. لكن فرنسا أدركت أن هذا الوضع يجعلها الآن في موقع أقل تنافسية عندما تخاطب الطالب الهندي الذي يستطيع أن يختار جامعة بريطانية أو أمريكية أو أسترالية أو برنامجًا باللغة الإنكليزية في بلد أوروبي آخر دون أن يضطر إلى تعلم لغة جديدة قبل بدء دراسته. لذلك أخذت فرنسا تتوسع في تقديم برامج باللغة الإنكليزية. وتعرض مؤسسات التعليم العالي فيها اليوم نحو 1600 برنامج دراسي باللغة الإنكليزية، تغطي مجالات متعددة، ولا سيما العلوم والهندسة والإدارة والتكنولوجيا.

وهنا تظهر الخطة الفرنسية: فرنسا تريد استقطاب الطالب العالمي باللغة الإنكليزية، لكنها تريد أن يبقى مرتبطا بها باللغة الفرنسية؛ أي أن الإنكليزية تصبح أداة لجلب الطالب، بينما تبقى الفرنسية أداة للاندماج في المجتمع وسوق العمل والثقافة الفرنسية. وهذا الأمر ليس تفصيلا تقنيا في السياسة الجامعية، وإنما اعتراف عملي بحقيقة أصبحت صعبة التجاهل: إذا أرادت فرنسا منافسة البلدان التي تهيمن على سوق التعليم الدولي، فلا يمكنها أن تجعل الفرنسية شرطا مسبقا لفئة الطلبة الأجانب الذين سيرفعون من شأنها العلمي والاقتصادي والصناعي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!