-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا نفعل أمام الذكاء الاصطناعي؟

ماذا نفعل أمام الذكاء الاصطناعي؟

نعيش الآن بالفعل مرحلة انتقالية من التعلم من خلال اللغة التي نتكلمها ونكتبها إلى التعلم عبر لغة أخرى هي النماذج اللغوية المختلفة للذكاء الاصطناعي.

بدأت هذه النماذج تفرض نفسها بتسارع كبير حتى أننا لم نعد نعرف أي نموذج نستقر عليه، ولا أي تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كل يوم، وربما في كل ساعة هناك تطور جديد، واسم جديد لأسماء تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ونحن في حاجة إلى التعلم وإلى مواكبة العصر، لا نستطيع البقاء مُتفرِّجين، وفي ذات الوقت نجد أنفسنا أمام خيارات صعبة تحت ضغط الزمن: ماذا نفعل؟ كيف نُوجِّه أبناءنا المتمدرسين؟ كيف نُوجّه طلابنا في الجامعة؟ كيف نتمكن من التعامل مع هذه التطورات التكنولوجية الجديدة من دون ارتكاب أخطاء، إِن من خلال الاكتفاء بالأساليب التعليمية التي خبِرناها لسنوات إن لم نقل لقرون، أو من خلال التخلي التام عن هذه الأساليب والسعي لِتفويض كل أمورنا لحقبة الذكاء الاصطناعي المتنامي والمتزايد انتشاره يوما بعد يوم؟
هي في الواقع أسئلة جوهرية واستشرافية بامتياز، لأن الخطأ في التعامل مع هذا التحول الواضح في أسلوب تحصيل المعرفة وبناء الاقتصاد وتسيير شؤون الأفراد والدولة سيكلفنا الكثير، وفي ذات الوقت عدم وعي طبيعة هذا التحول وعدم التكيف معه بفعالية سيؤدي بنا إلى خسائر على المدى البعيد وفي جميع المستويات والقطاعات يصعب تقديرها الآن.
ولقد عرفت البشرية عبر التاريخ مثل هذه التحولات التكنولوجية الكبرى، وكان لكيفية وسرعة التكيف معها الأثر الفعال في مستقبل شعوبها ودولها. والخلاصة التي يمكن الخروج بها أنَّ مَن قام بالتكيف من خلال رؤية واضحة واستراتيجية مُحكَمَة نجا، ومَن سارع إلى مظاهر الاندماج وشكليات الاندماج السريع لإبهار الذات بالتقدم فشل وانهار.
قديما لم تكن لليونان لغة مكتوبة، سقراط لم يترك أي مؤلف مكتوب، وعندما زار أفلاطون مصر وأُعجب باللغة الهيروغليفية المكتوبة وقع ضمن إشكالية معلِّمه سقراط: هل يبقى ضمن المعرفة العميقة لِمعلمه القائمة على الحوار وتوليد الأفكار من دون كتابة؟ أم يتحول إلى الكتابة (كتقنية جديدة) التي لن تمنحك سوى مظهر الحكمة وتجعل منك شبه عالم ولست كذلك كما يقول؟ هكذا كان يتساءل في البداية حتى اختار نهج الكتابة وأوصل لنا ليس فقط أفكاره، بل أفكار معلمه سقراط أيضا. وأذكر أنني كنت أُقدِّم اقتباسا يؤكد هذه الواقعة لطلبة الفكر السياسي في كليتنا من نص أورده أفلاطون نفسه، مستذكرا حوارات معِّلمه، من بين ما جاء فيه “إنّ هذا الاختراع [الكتابة] سَيُورِثُ النسيانَ في نفوسِ الذين يتلقَّونه لإهمالِهِمُ الذاكرة، إذ يُصبحُ استدعاءُ الذكرياتِ لديهم من الخارج عبرَ رُسومٍ غريبة، لا من الداخلِ بنشاطِ أنفُسِهم الذاتيّ… {مما يجعلك} لا تمْنَحَ تلاميذك سوى مظهر الحكمة {ولن يتحولوا سوى} إلى جهال ثقلاء (شوفالي ص 18مترجم).
وفي العصور المتأخرة عرفت البشرية الطباعة (1040م في الصين، و1445م في أوروبا)، كما عرفت المحركات (القرنين 17و18) والكهرباء (بداية القرن الـ19)، ثم باقي الابتكارات التكنولوجية والصناعية وصولا الى انترنت (1969)… إلى الذكاء الاصطناعي اليوم. فماذا كان موقف الشعوب والدول منها؟
لقد انقسمت إلى فئتين: مَن تكيف معها ضمن رؤية واضحة واستراتيجية بعيدة المدى؟ ومَن استوردها للتّباهي وادعاء التقدم والبهرجة. الفئة الأولى ازدادت تقدما مع مر الوقت، والفئة الثانية بدل أنْ تُحقِّق لها هذه التكنولوجيا التقدم والازدهار أدت بها إلى هدر امكاناتها وتفويت الفرص عنها، بل وإلى فقدان سيادتها بالكامل فيما بعد! نموذج الدولة العثمانية التي حاولت نقل التكنولوجيا من دون رؤية، قديما، ونموذج بعض الدول العربية الغنية اليوم التي تعتقد أنها لحقت بالركب من خلال استيراد النماذج الجاهزة وهي تفقد سيادتها بالتدريج يوما بعد يوم…
ذلك هو الموقف بالضبط من الذكاء الاصطناعي: قد نصنع به تقدما إذا كان ضمن رؤية، وقد يجعلنا مستعَبدين بطريقة أو أخرى إذا كان خيارنا هو الثاني…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!