-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى لا يتحوّل الطّعام إلى همّ أكبر في حياتنا

سلطان بركاني
  • 42
  • 0
حتى لا يتحوّل الطّعام إلى همّ أكبر في حياتنا

عطفا على محتوى المقال السّابق “بطوننا التي أذلّتنا وأنهكتنا”، لعلّه من المناسب أن نشير في هذه التتمّة إلى الآداب الإسلاميّة التي أرسى لها القرآن وأوضحها النبيّ العدنان في سنّته وامتثلها في سيرته، حتّى لا يرتقي الطّعام في حياتنا من كونه وسيلة لإقامة الصُّلب، إلى غاية سامية يُحمل همّها، وطقسٍ يوميّ يقدّس وقتا وكما وكيفا، وحتّى نكفّ عن الانسياق خلف بهارج الحضارة الحديثة التي تجعل الطّعام شهوة يجب أن تقضى في أيّ وقت وبأي شكل من دون حدود أو قيود.

الطّعام في ديننا نعمة يجب أن تحفظ وتشكر ويؤدّى حقّها، وشهوة يتعيّن أن تضبط بالدّين والعقل، تماما كما تضبط شهوة الفرج، وقد دلّ الواقع على أنّ من عادة من لا يتحكّم في شهوة بطنه، أن يكون -في الغالب- غير متحكّم في شهوة فرجه، فهو إن لم يقضها فِعلا، قضاها تمنيا وتفكيرا ونظرا!

كلوا واشربوا ولا تسرفوا

إذا عدنا إلى ديننا، فإنّنا نجد ربّنا العليم الحكيم يقول: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين))؛ فالأكل يجب أن يكون باعتدال ولا يجوز أن يصل إلى حدّ الإسراف، وإذا كانت المعدّة قد خلقت لتتّمدّد وتتّسع للطّعام، فذلك لا يعني أنّ تمدّدها يعود في كلّ الأحوال بالسلامة عليها وعلى باقي الأعضاء. لقد قالها المعلّم الأوّل -صلّى الله عليه وسلّم-: “ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صُلْبه، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِه”، وهذا الحديث قاعدة عظيمة في ضبط النّفس أمام موائد الطّعام، ولو أخذنا به لصحّت جسومنا وارتاحت قلوبنا وأرواحنا؛ فهو يعلّمنا أنّ الطّعام لا يجوز أن يكون غاية بل ينبغي أن يظلّ وسيلة لإقامة الصُّلب. ويُعلّمنا أنّ البطن هو أكثر وعاء يتأذّى العبد بملئه، وأنّ ملأه شرّ للدّنيا والدّين، ويعلّمنا -كذلك- أنّ الواحد منّا إذا أكل، فلا ينبغي له أن ينساق خلف شهوة نفسه، بل يجعل لها حدا لا تتجاوزه، ثلث للطّعام، وثلث للشّراب، وثلث يبقى فارغا للتنفّس والرّاحة.

ويقول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أيضا: “نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا فلا نشبع”، والحديث وإن كان ضعيفا، إلا أنّ معناه صحيح، ومفاده أنّ العبد لا يأكل كلّما وقعت عينه على الطعام، إنّما يأكل إذا احتاج بدنه إليه، وإذا أكل فإنّه لا يملأ بطنه، وإنّما يأكل باعتدال… وفي الآثار أنّ لقمان الحكيم قال لابنه: “يا بني، لا تأكل شيئاً على شبع، فإنك إن تتركه للكلب خير لك من أن تأكله”.

لا يردّ ما وجد… ولا يتكلّف في طلب ما فقد

كان النبيّ -صلـى الله عليه وسلم- لا يعيب طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وكان لا يردّ ما وجد، ولا يتكلّف في طلب ما فقد… وهذا خُلق رفيع ومنهج قويم في التعامل مع الطّعام، لو أخذنا به لانتهت الخصومات الكثيرة التي تشهدها بيوت بعض المسلمين بسبب وجبات الطّعام، فالزّوج له قائمة خاصّة للمفضّلات والمكروهات، والزّوجة كذلك، أمّا عن الأبناء فحدّث ولا حرج عن تباين رغباتهم، حتّى أنّ ربّة البيت ربّما تحمل همّا كبيرا عند وقت كلّ وجبة، وتفكّر طويلا لتختار الصّنف الذي يمكن أن يحظى بأكبر قدر من التوافق، وربّما أعدّت صنفين وثلاثة، ومع ذلك قد تفاجأ بأحد الأفراد يعبّر عن ملله من الأصناف التي يجدها في البيت ورغبته في صنف آخر! وربّما تتعب الأمّ في إعداد وجبة تراها مناسبة، فتفاجأ بأفراد أسرتها يطلبون أصنافا أخرى من محلات الوجبات السريعة! ليكون كيس القمامة مصيرا لما تعبت في إعداده!

صوموا تصحّوا

من آداب الطّعام، كذلك، أن يعطي العبد بطنَه وقتا كافيا ترتاح فيه، ويمنح جهازَه الهضميّ فسحة يمتصّ فيها ما يفيد الجسم من الطّعام ويطرح ما يزيد على حاجته… وقد علّمنا النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أن نصوم يومين من كلّ أسبوع، وثلاثة أيام من كلّ شهر، وفرض علينا ربّنا أن نصوم شهرا من كلّ سنة؛ كلّ هذا لتخفّ أرواحنا وترقّ قلوبنا وترتاح بطوننا، يقول الله -تعالى-: ((وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون))، ويقول الشّفيع -عليه الصّلاة والسّلام-: “صوموا تصحّوا”، والحديث وإن لم يكن صحيحا إلا أنّه تشهد لمعناه الآيات والأحاديث والآثار، وحتى الطبّ يشهد له.

والعبد إذا غلبته نفسه على الصّوم، ولم يستطع أن يصوم الصيام الشّرعيّ عن الطّعام والشّراب لينال الثّواب، فليصم -على الأقلّ الصيام الطبيّ، بأن يعطي بطنه راحة يومية لا تقلّ عن 12 ساعة لا يأكل فيها شيئا، بين وجبة العشاء ووجبة الفطور. وإن هو أوصلها إلى 16 ساعة، فهو أفضل وأنفع للجسم… وهي ساعات ضرورية للجسم يهضم فيها طعام اليوم، ويرتاح قليلا… وقد يحسن بالعبد أن يقدّم وجبة العشاء بعد صلاة المغرب مباشرة وإن تعشّى قبله فحسن، ثمّ يمتنع عن الطّعام بين 12 و16 ساعة لا يأكل شيئا… وإن اضطرّ إلى تأخير وجبة العشاء، فليجعل بينها وبين النوم ساعتين على الأقلّ، فالأطبّاء يقولون إنّ من أهمّ أسباب الأرق والكوابيس وثقل الجسم عند الاستيقاظ من النّوم والأحلام المزعجة عند الأطفال تأخيرَ وجبة العشاء والنّومَ بعد الأكل مباشرة.

احرص على الطّعام الصحيّ

ومن آداب الطّعام كذلك، أن يحرص العبد على أن يكون ما يأكله صحيا ينتفع به جسده ولا يتأذّى… وهو أدب فرّطنا فيه كثيرا، في زماننا، حتى صار تفريطنا من أهمّ أسباب مرض أجسادنا ووهنها. ولم يعد مستغربا في واقعنا أن نرى شابّا في العشرينات كأنّه شيخ في السبعينات، بسبب خبز الفرينة الأبيض، والعجائن التي تصنع بالفرينة، وبسبب المقليات والأكل خارج البيت والأكلات السريعة من البيتزا إلى الطاكوس إلى الهمبرغرغ…. مع أنّنا في أيامنا هذه أحوج ما نكون لأن نكون أكثر حذرا من الأطعمة الجاهزة، بالنّظر إلى مكوّناتها، وبالنّظر كذلك إلى طريقة إعدادها التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى النّظافة وشروط الحفظ.

نماذج رائدة

لعلّه يحسن بنا في ختام هذا المقال، أن نضرب مثلا لمدى حرص الأوّلين على المعالي وترفّعهم عن التفاني في الحظوظ الفانية، بنموذجين لبطلين من أبطال الأمّة، تركا للأجيال درسا مفاده أنّ الطعام وسيلة وليس غاية، وأنّه جُعل ليبني الجسد وليس ليهدمه ويهدّه ويشغل صاحبه عن المعالي والقمم:

النّموذج الأوّل: يوسف بن تاشفين، أمير المرابطين وصاحب التاريخ الأنور في فتوح الأندلس، توفي -رحمه الله- سنة 500 هـ، بعد أن عاش مائة سنة كاملة، في كامل صحته وعافيته، كان يأكل خبز الشعير ولحوم الإبل ويشرب من ألبانها، لا يزيد على ذلك، فمتّع بجسده، وسخّره في خدمة دينه وأمته.

النّموذج الثاني: الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور -رحمه الله-، لم يشغله ما هو فيه من الملك بالمطاعم والمشارب، بل كان مشتهرا بترفّعه عن أحاديث الموائد ومجالسها، وكان يقول: “والله ما أنا بشَرِهٍ، وما لي في الاستكثار من الطعام حاجة؛ لأنه يُثقل الجسم، ويشغل عن النوائب، وأقلّ شيء فيه كثرة اختلافي إلى الخلاء، فأرى ما أكره، وأسمع ما لا أحب”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!