-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حرية الادِّعاء وادِّعاءُ الحرية

عمار يزلي
  • 355
  • 0
حرية الادِّعاء وادِّعاءُ الحرية

عندما بدأت أوروبا في اكتشافاتها الناجمة عن مخرجات الثورة الصناعية الأولى ثم الثانية بشكل خاص في كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، كانت المطبعة قد سبقتها في تسهيل مهامّ الطبع منذ منتصف القرن الـ15 مع الألماني غيتنبرغ. لم تكن الآلة البخارية ثم الكهربائية لتغيِّر عالم الاتصالات في أوروبا ثم في أمريكا وفي بقية دول العالم المتقدمة نسبيا فحسب، بل كانت إيذانا بعولمة أولى وحّدت القارات والبلدان حتى في ظل الاستعمار وتقاسم أجزاء العالم الجنوبي والشرقي: توحيد من أجل المصالح المركزية لأوروبا الاستعمارية تحت شعار خفيّ، صار جليا: المركزية الأوروبية.

العولمة الأولى التي تحققت خلال منتصف القرن الـ18 واتسعت بدءًا من منتصف القرن الـ19، ستحدث انطلاقا من قوة القدرة على التسويق: تسويق السلع ولكن أيضا تسويق خطاب جديد: الحرية والتنوع، الذي لم يكن يُقصد منه أي شيء آخر غير “حرية الرجل الأوروبي والغربي” بشكل عامّ و”تنوُّع” الأجناس ضمن سياسة التوسُّع الاستعماري بحثا عن أياد عاملة أقرب إلى العبودية حتى ما بعد زوال نظام العبودية في أوروبا ثم أمريكا. كانت قوة العمل اليدوية هي محرك الاقتصاد الأوروبي، جنبا إلى جنب مع المواد الخامّ في البلدان التي استولت عليها القوى الأوروبية الصاعدة أو التقليدية.

لم يكن وصول الإعلام إلى مختلف القارات صعبا ولا طويلا، بدءًا من الحوليات والجرائد وإلى أن لحقت بها ثورة الإرسال الإذاعي فالتلفزيوني المباشر العابر للقارات في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وتطوّر مسار وتوزيعها عالميا وتنويع أشكالها ومواجهة ومستهدفاتها، فقد ارتبطت الحملات الاستعمارية بالحملات الإعلامية. هذه الأخيرة، غالبا ما مهدت الطريق لكل أشكال الغزو والحروب والاستعمار والاستيطان بتمريرها عبر التبرير تحت شعار حرية التعبير.

إلى اليوم، وإلى غاية هذه اللحظة، ولن يحدث غيرها في المستقبل، ستكون حرية الصحافة والتعبير والاتصال مجرد “دعاية” لادّعاءات ينكرها ويُبطلها الواقع. الواقع يؤرخ ويظهر ويسجِّل أن كل أشكال الصحف الحكومية والخاصة في العالم، لا يمكن أن تكون مستقلة عن اللوبيهات الاقتصادية والمالية، هذه الأخيرة التي لا يمكن فصلها أيضا عن مراكز صنع القرار ولوبيهات الإيديولوجيات والسياسات الداخلية والخارجية وكل ادِّعاء بغير ذلك لا يمكن إلا أن يكون ادِّعاء ودعاية.

طبيعي أن تدافع وسائل الإعلام عن مصالح من يمولها أو من يملكها، وليس من الطبيعي أن نطالبها بالإنصاف ولا بمواقف محايدة، فالكل يعرف أن الحياد والموضوعية مع الإنسان الذي هو نصفه الافتراضي ذاتي، باعتباره، نصفه عقل ونصفه قلب، رغم أن الواقع يميل لدى الغالبية العظمى من البشر للذاتية ولا مكان أحيانا الموضوعية إلا إذا كانت الموضوعية ذاتية، أي أن يكون الموقف الموضوعي يصبُّ في المصلحة والرأي الفردي أو الجماعي.

لنطمئن إذن: ليس غريبا ولا حتى مستنكرا أن نرى الصحف العالمية الكبرى خاصّها وعامّها تدافع عن سياسة بلدانها الخارجية ومواقف بلدانها حتى ضد مصالح شعوبها مسلوبة الرأي، إلا فيما خلا خلافات داخلية لا تهدد الأمن العامّ ومصالح البلد والشركات القابظة ورؤوس الأموال المالكة.

مساحات حريات الإعلام والتعبير والاتصال محدودة ومحددة سلفا في أي مجتمع وكيان، وما يختلف بين هذا المجتمع وذاك ويحدد حجم مساحة “القبول والتقبُّل والصفح”، هو ثقافته السياسية والأيديولوجية فقط، ولكن ليس هناك حرية مطلقة مدعومة في أي نظام.

مع ذلك، هم يطالبون الآخرين، الذين هم “أعداؤهم” المفترضون والواقعيون، بتقبل الحريات ويدافعون عنها حتى بدلا عن شعوبها التي تعتنقها، أملا ودعوة للهيمنة والتوجيه والتشويش وإلغاء الآخر غير القابل للانسياق والتبعية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!