-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وزير التربية الفرنسي: أَمْهِلُوني 4 سنوات!

وزير التربية الفرنسي: أَمْهِلُوني 4 سنوات!
وزير التربية الفرنسي، إدوار جيفري

تُظهر دراسة “بيزا 2025” (PISA 2025)، التي تُقيّم كل ثلاث سنوات كفاءات التلاميذ البالغين 15 سنة في نحو ستين دولة، استمرار الاتجاه الملحوظ في فرنسا منذ 2022: تناقص مستمر في مستوى التميّز وازدياد في عدد التلاميذ الذين يعانون من الصعوبة في التعلم. وتُعزى هذه النتائج إلى نقص الأساتذة، وشح التجهيزات، وتراجع دعم الأولياء، واستعمال الشاشات، وعدم تكافؤ الفرص. وقد خضع لهذه الاختبارات 6500 تلميذا فرنسيا موزعين على 289 مؤسسة، في عينة مقبولة إحصائيا.

1. وما لنا والمدرسة الفرنسية؟

قد يقول قائل: لماذا هذا الاهتمام بما يجري في المدرسة الفرنسية، ونحن أولى بأن ننشغل بمدرستنا ومشكلات منظومتنا التربوية؟ والجواب بسيط: لأن جزءًا كبيرًا من الإصلاحات التربوية التي عرفتها الجزائر، ولا تزال تعرفها، مستوحًى من التجربة الفرنسية دون غيرها. ومن ثمّ، فإن فضح ما يجري في المدرسة الفرنسية ليس انشغالًا بشؤون الغير، بل هو تنبيه ونقد يكاد يكون مباشرا لوزارتنا ولخياراتنا التربوية.

وقد يقول قائل آخر: دعونا أولًا نبلغ مستوى فرنسا، ثم نتحدث عن تجربتها وننتقدها. لكن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية: فرنسا بنت منظومتها المدرسية الحديثة عبر مسار امتد لأكثر من أربعة قرون، بينما لا تزال تجربتنا الوطنية في بناء المدرسة تُعدّ بالعقود. ولذلك، فإن حاجتنا تتمثل في اختصار الطريق ما أمكن، وتسريع عملية الإصلاح، والاستفادة من تجارب الآخرين؛ فالأمم التي تتقدم هي التي تتعلم من تجارب غيرها.

ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي لمنظومتنا التربوية لا يمكن أن يبدأ وينتهي عند فرنسا، ولا يجوز أن تظل التجربة الفرنسية هي النافذة الوحيدة التي نطل منها على العالم التربوي. نحن بحاجة إلى دراسة واسعة ومتأنية لتجارب بلدان العالم المتقدم، وكذلك تجارب بلدان العالم الثالث التي استطاعت تحقيق قفزات نوعية في التعليم. ثم نصمّم نموذجًا إصلاحيًا وطنيًا يأخذ أحسن ما في هذه التجارب، ويخضعه لخصوصيات مجتمعنا وثوابته وتقاليده، ولجغرافيتنا وتاريخنا وحاجاتنا الفعلية. هذا ما ندعو إليه من خلال هذه الكتابات في الشأن التربوي.

2. التباعد الزمني، حجة واهية

عَقِب نشر هذه النتائج السلبية لفرنسا في اختبارات “بيزا” يوم الثلاثاء الماضي، تهاطلت التعقيبات في وسائل الإعلام وسارع وزير التربية الوطنية، إدوار جيفري، إلى تبرئة نفسه من أي مسؤولية في هذا الانحدار البيداغوجي. وتتمثل حجته الأولى في التأكيد على أن التلاميذ الذين تم تقييمهم، والذين ولدوا في عام 2009، “لم يعرفوا تقريبا أيّا من الإصلاحات التي تم تنفيذها منذ عام 2017”. يكشف هذا المنطق، حسب المتابعين، تنصّلا صارخا من الوزير يُحاول فيه إبعاد التهمة عن سياساته التعليمية: كيف يمكن تفسير أن انخفاض درجات فرنسا كان أكثر حدة من متوسط درجات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن كانت إصلاحاته مفيدة؟ لقد نسي الوزير أن هؤلاء التلاميذ قد عايشوا بالفعل إصلاح المرحلة الإعدادية لعام 2016 وإصلاح البكالوريا لعام 2019، وهما مشروعان رئيسيان غيّرا بعمق البرامج وطرائق التقييم.

وتتمثل الحجة الثانية للوزير في توجيه أصابع الاتهام إلى الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها المسؤولة الرئيسية عن هذه الكارثة. يقول الوزير إن التلاميذ “الذين يقضون ثلاث ساعات يوميا مع هواتفهم في القسم يفقدون ما يعادل عامين دراسيين” ! ويردّ عليه معارضوه: إذا كان تأثير الشاشات على الانتباه ظاهرة حقيقية فإن جعلها السبب الوحيد للفشل الفرنسي يُعتبر تبسيطا مخلّ لأنه إذا كانت الشاشات آفة عالمية، فلماذا أداء فرنسا أسوأ من جيرانها الأوروبيين مثل فنلندا وألمانيا حيث يقضي المراهقون نفس المدة أمام هواتفهم؟

والواقع أن الدراسات الدولية تظهر أن العوامل الحاسمة في نتائج “بيزا” تتمثل قبل كل شيء في جودة تكوين المدرّسين، والاستثمار في البيداغوجيات النشطة، وتجاهل الفروق الاجتماعية في فرنسا (الأعلى نسبةً في أوروبا)، وهي مجالات تعاني فيها فرنسا من تخلف مذهل.

3. أَمْهِلُوني 4 سنوات!

يواصل المربّون والنقابيون كشف زيف هذا الخطاب المزدوج للوزير: إذا كانت الشاشات هي المشكلة المركزية، فيجب على الوزير أن يقدم حلولا ملموسة وفورية عوض الاكتفاء بتجريمها في وسائل الإعلام. لكنه فضّل المراهنة على الوقت، آملاً أن تأتي الإصلاحات المستقبلية لتعويض النتائج في دورة “بيزا 2029”. بذلك، يتغاضى عن القضايا الحقيقية: في فرنسا، ترتبط فرص النجاح الدراسي ارتباطًا وثيقًا بالوسط الاجتماعي الذي ينتمي إليه التلميذ، كما تبدو الفوارق بين المؤسسات التعليمية أكثر حدة مقارنة بالعديد من البلدان الأخرى. ويضاف إلى ذلك ضعف التكوين المستمر للأساتذة، الذي يُعدّ من بين الأضعف في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويتجنب الوزير الإجابة على السؤال الجوهري: ماذا فعل كمسؤول طوال هذه السنوات لمعالجة الأزمة العميقة للمدرسة الفرنسية؟

يبدو أن الوزير، الذي كان الرقم الثاني في وزارة التربية من 2019 إلى 2024، يقدم تنازلات ظاهرية من خلال اعترافه بأن التركيز المفرط على خفض أعداد التلاميذ في الأقسام قد تم “ربما على حساب التفكير في البيداغوجيا”. لكن هذا الاعتراف يظل مشوبا بتناقض صارخ: فعوض اقتراح إصلاحات جذرية، يكتفي بالدعوة إلى استخدام الانخفاض الديموغرافي “لمنح استقلالية أكبر للمؤسسات”، وكأن مجرد منح الحرية للمدارس كافٍ لحل أزمة بيداغوجية عميقة. كان الوزير نفسه في قلب صنع القرار طيلة خمس سنوات، وهذا يحمله مسؤولية كبرى. وفي هذا الباب يطرح المنتقدون السؤال: كيف يمكن لمن كان المسؤول الثاني عن المنظومة أن يتحلّل الآن من مسؤوليته، متحدثا كمراقب خارجي وليس كفاعل أساسي في السياسات التي أدت إلى هذا التراجع؟

ويواصل منتقدو إنجازات الوزير تعقيباتهم بالإشارة إلى أن الملف الذي أعدته الوزارة لمقارنة إجراءاتها على مدى عشر سنوات بنتائج “بيزا” أقرب إلى كتيب دعائي منه إلى تقييم موضوعي في محاولة يائسة لإنقاذ ماء الوجه. والأكثر إثارة هو التذرع بأزمة كورونا، متناسين أن أطفال 2025 هم من ولدوا في 2009، أي أنهم كانوا في السادسة من عمرهم عند بداية الجائحة، فكيف يمكن لوباء قصير المدى أن يبرر انهيارا مستمرا لأكثر من خمسة عشر عاماً؟ والأغرب من ذلك أن الوزارة تتغاضى عن موضوع الرواتب المتدنية رغم الوعود بتحسينها، وهذا في ظلّ أزمة توظيف حادة تجعل نصف مؤسسات التعليم الثانوي غير مكتملة الطاقم التدريسي اليوم. هذه الحقائق وحدها تكفي لدحض خطاب الوزير الذي يرى أن الشاشات هي المشكلة.

4. رأي رئيس أكاديمية باريس ومستشار جامعاتها

أما رئيس أكاديمية باريس ومستشار جامعاتها السابق، كريستوف كيريرو، الذي استقال عام 2024 احتجاجًا على سياسات الوزارة، وهو صاحب كتاب “المدرسة لم تقل كلمتها الأخيرة”، فعقّب على نتائج “بيزا” بالقول “هذه النتائج لا ترقى إلى معايير المجتمع العصري”. ولما سئل: كيف نفسر ضعف هذه النتائج، أجاب:” للأسف، يتكرر نفس الاتجاه الذي شهدناه في عام 2022، وهو يعكس مشاعر الفرنسيين: 55% منهم غير راضين عن النظام التعليمي، و 4% فقط من الأساتذة يشعرون بالتقدير المهني. ويعاني أكثر من ثلث تلاميذ المرحلة الإعدادية من اضطرابات القلق. والأسباب هيكلية، ولا سيما صعوبة إدارة الانضباط داخل القسم…”.

وهناك صرخات أخرى، مثل هذه الصرخة لأستاذ مبرز في علم الاجتماع: “… ومع هذا الكمّ من الإصلاحات سيئة التصوّر والمثيرة للجدل، يكاد يكون من المدهش ألا تكون نتائج التلاميذ الفرنسيين قد شهدت تراجعًا أكثر حدة!”. وهذه مديرة ثانوية تكتب: “أنا غاضبة، غاضبة أمام هذا الهدر الهائل الذي تتجلى مظاهره في نتائج ‘بيزا’. ..غاضبة من مؤسسة تُسيء معاملة العاملين فيها”

5. لا تَنْهَ عن خلق وتأتي مثله!

وفي سياق هذه التناقضات، لا يمكننا أن نغفل عن حادثة طريفة كشفت عن وجه آخر لسياسة الوزير في مجال التربية. ففي ماي 2026، توعّد هذا الوزير مترشحي البكالوريا بأن “أي نسخة لا تتوفر على مستوى كاف من الإملاء والتركيب النحوي لا يمكنها أن تحصل على معدل النجاح”. لكن المفارقة وقعت بعد أسابيع قليلة، عندما حلّ الوزير ضيفا على البرنامج التلفزيوني “C à vous”، وفوجئ بإخضاعه لاختبار إملائي مباشر: لقد اكتشف الحضور أن الرجل الذي يطالب بالصرامة في اللغة عجز عن كتابة كلمة “accueil” بشكل صحيح في المحاولة الأولى، بل وأصر على أن كلمة “dilemme” تكتب بحرف “n” في آخرها، قبل أن يعترف في ارتباك: ويعتذر على الخطأ !

لقد كشفت هذه الحصة عن تناقض آخر في سياسة وزير يطالب بالكمال اللغوي من تلاميذ يعانون من أزمة تعليمية عميقة، بينما هو نفسه يعجز عن إتقان ما يفرضه عليهم، وهو ما يعكس حالة التعليم الفرنسي المتعثّر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!