حتّى لا يضرّنا كيدُهم
مِن أكثر ما يُشعر المسلمَ الذي يحمل همّ دينه وأمّته، بالحسرة والأسى، في هذه الزّمان وهذه الأيام، أنّ المسلمين على كثرتهم واتّساع أرضهم وغزارة مواردها وامتلاكهم لأهمّ المضايق والممرّات، أضحوا غثاءً كغثاء السّيل، لا يملكون إلا الكلام، وحتى كلامهم ما عاد يُسمع له أو يُأبه به؛ فدول الاستكبار في هذا العالم تخطّط وينسّق بعضها مع بعض وتتداعى لاقتسام النّفوذ والغنائم، كما لو أنّ دول المسلمين أراضٍ مشاعة لا مالك لها وخيراتهم مرهونة لمالك آخر يتّخذ قراره باستغلالها على الوجه الذي يريد وفي الوقت الذي يختار!
ستظلّ كلماتنا تذهب أدراج الرياح، ما دمنا ضعفاء، وما دامت الدّنيا تملأ قلوبنا، وما دمنا ننتظر من الغرب أن يطعمنا ويكسونا ويحمي بعضنا من بعض، ونتوسّل إليه ونترجّاه أن يكفّ عن إهانتنا والإساءة إلى مقدّساتنا!
في غياب القوة التي تسند عدالة قضايانا وتردع المتجرئين على مقدّساتنا، وفي خضمّ إسناد الأمور إلى من لا يهمّه نصرة قضية أو تعنيه حماية مقدّس، فإنّ الواجب علينا أن نتحلّى بما أمرنا به القرآن لمواجهة الاستفزاز الذي يتعمّده المخالفون لجرّنا إلى ردود ربّما لا تكون في صالحنا وصالح ديننا. يقول الله تعالى: ((لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور)).
علينا ابتداءً أن نتّقي الله في ديننا ونجعله على رأس أولوياتنا، فإنّه ما تجرأ المتجرئون على مقدّساتنا إلا حين رأوا بعدنا عن ديننا واستهتارنا بشرائعه وأحكامه وانغماسنا في التنافس على ما تعلّق من الدّنيا بالمآكل والمشارب والمساكن والمراكب.. صحيح أنّ الغيرة للدّين لا تزال متّقدة في قلوب أكثر المسلمين، وبعض ردود الأفعال التي تشهدها الأوساط العامّة والخاصّة ضرورية حتى يعلم الغرب أنّ المسلمين مهما بعد كثير منهم عن دينهم إلا أنّ جذوة الغيرة له لا تخبو أبدا، لكنّ حظّ الدّين من حياة كثير من المسلمين وهمومهم لا يزداد إلا انحسارا، إلا من رحم الله، بل ربّما نسمع الإساءة إلى الدّين وشرائعه وشرائعه من بعض المسلمين؛ نسمع الاستهزاء بالسنّن والاستخفاف بالمستحبّات والتقليل من شأن الفرائض والواجبات، بل ونسمع سبّ الله ربّ الأرض والسّماوات!
كما علينا –في ظلّ وضع الاستضعاف الذي نعيشه- أن نتحلّى بالصّبر وتكون ردود أفعالنا إزاء الاستفزازات مدروسة، والصّبر لا يعني السّكوت، إنّما يعني الردّ بالطّريقة التي تبطل مفعول الإساءة وتردّ الكيد إلى نحور أصحابه، بالكفّ أولا عن ثقافة التعميم؛ إذ ليس الغرب ولا الكفّار كلّهم يسيئون إلى مقدّساتنا، فبينهم عقلاء منصفون يشجبون الإساءات ويتضامنون مع المسلمين، والحكمة تقتضي أخذ إنصافهم بعين الاعتبار وشكرهم عليه وعدم تحميلهم وزر السّفهاء.. ثمّ باجتناب الإساءة إلى الأديان والديانات الأخرى، مهما كانت باطلة يقينا، كيف لا ونحن نجد في كتاب الله النّهي عن سبّ معتقدات الآخرين، حيث يقول الله تعالى: ((وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)). نعم من واجبنا أن نسعى لبيان بطلان هذه المعتقدات، لكن من دون أن نكون في حاجة إلى سبّها والإساءة إليها، فمثل هذه الأفعال ستحمل معتنقيها على التعصّب لها وعدم سماع الحقّ، وعلى الإساءة إلى مقدّساتنا أكثر.. كما ينبغي أيضا أن نستفرغ الوسع في عرض الحقّ الذي معنا في أجمل صورة وأبهى حلّة، وفي دحض الافتراءات ومحاولات التشويه التي تطاله، بعلم وحكمة، والحمد لله أنّ المواقع والصّفحات التي تردّ على الشبهات المثارة على الإسلام من الكثرة بحيث يصعب عدّها، فيمكن المتصدّين للردّ على الشبهات أن ينهلوا منها ويستفيدوا ممّا تعرضه.
لسنا مضطرين لأن نعرض للغربيين، خاصّة المستعلين منهم، الصورة التي يريدونها عن الإسلام، بأنّه الدّين الذي يقول لمعتنقه: “من ضرب خدّك الأيمن، فأدر له الأيسر”، ولا أن نستخفي ببعض شريعتنا حتى لا تُلصق بنا وبديننا التهم الجاهزة، إنّما الواجب علينا أن نعرض ديننا كما هو، ونبيّن الواجب الذي يفرضه في كلّ مرحلة تعيشها الأمّة، لأنّ العقلاء والأحرار بين الأمم جميعا، يرفضون الظّلم والعدوان ويقفون مع المظلومين والمضطهدين، ويُعرضون عن كلّ قانون أو شريعة تقعد معتنقها في كلّ الأحوال والظّروف عن المطالبة بحقّه وحريته، وتكفّه عن ردع الظّالم والمعتدي.. ينبغي أن نقولها بملء أفواهنا إنّ ديننا يفرض علينا أن نؤدّب كلّ من تسوّل له نفسه الإساءة إلى مقدّساتنا ومن يرفض الاحتكام إلى الحجّة والبرهان، ما أمكننا ذلك، فإن لم يكن ذلك في وسعنا انتقلنا إلى الدّرجة التي بعدها وهي الإنكار باللّسان، من دون أن نكون في حاجة إلى مجاراة السّفهاء في سفههم.