الإعدام… الجزائر ليست أوربا
بعيدا عن سرديات القوانين وحقوق الإنسان والإيديولوجيات، فإن دراسة السياق الجيوسياسي الإقليمي والدولي الذي بدأت فيه أوروبا بإلغاء عقوبة الإعدام منذ بداية نفاذ البروتوكول رقم 6 في 1985 إلى غاية البروتوكول 13 في 2003، ستقدم لنا عدة ملاحظات تدفعنا لاستنتاج أن هناك دوافع جيوسياسية كانت قائمة وراء هذا التحول القانوني والإيديولوجي.
أولا: السياق الإقليمي
كانت فترة الثمانينيات والتسعينيات هي الوقت الذي شهد نشاطا أوروبيا لتوحيد القارة في اتحاد واحد، وهذا حتى يواجه التحوّل الاستراتيجي الذي سيخلفه تفكك الاتحاد السوفييتي وظهور عدة دول على الساحة القارية منفصلة عن الكتلة الشرقية. لذلك كان هناك دافعان لإلغاء عقوبة الإعدام، أحدهما سياسي والثاني إيديولوجي.
1- الدافع السياسي: إذ أن انفصال الدول عن الاتحاد السوفييتي رافقه توترٌ كبير على مستوى السلطات السياسية، فبعضها كان مواليا لروسيا وبعضها كان مواليا للغرب، وكان حكم الإعدام وسيلة للمحاكمات السياسية، فحتى يقدِّم الغرب ضمانا لهذه الدول الجديدة حتى تنضمَّ إلى المجلس الأوروبي فإنه أقرَّ إلغاء الإعدام حتى يمنح ضمانات سياسية لسلامة وأمان القيادات والسلطات والأحزاب. وهذا هو الذي يدفعها للالتحاق بالغرب بدلا من الاصطفاف مع روسيا، أي خشية التصفيات السياسية عبر هذه الأحكام.
2- الدافع الإيديولوجي: بعد سقوط المعسكر الشيوعي الروسي، وانتصار المعسكر الليبرالي الأمريكي، فإن أوروبا وجدت نفسها تخرج من الحرب الباردة بينهما بإرث إيديولوجي ثقيل ومتناقض كانت تمثله الإيديولوجيات الفاشية والنازية والشيوعية، وقد أسرفت هذه الإيديولوجيات بممارسة التصفيات السياسية بالإعدام سواء أثناء الحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة فيما بعد، فحتى تتشكَّل وحدة أوروبية جديدة فإن المطلب هو إيديولوجيا جديدة بقيم مختلفة عن الإرث السابق، ومن بينها إعادة تعريف حقوق الإنسان، فمسَّت هذه التعريفات الجديدة الآليات القانونية والتي من بينها الإعدام، فكان إلغاؤه هو محاولة لوضع الحد الفاصل الذي يفرِّق بين رمزية أوروبا الجديدة وأوروبا التقليدية.. أي أن قرار الإلغاء نفسه هو نتيجة لتجربة تاريخية ذات نطاق محلي بحت.
ثانيا: السياق الدولي
كان بروتوكول 1985 ينص على إلغاء الإعدام في ظروف السلم فقط. ولذلك فإن تنفيذ هذا الحكم في أوقات الحرب كان قائما ومتفقا عليه. ولكن بعد انتصار الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة واحتكارها للأحادية القطبية سياسيا وعسكريا فإنها قد شرعت في ترسيخ قيمها الخاصة في الخطاب السياسي حتى تفرض هويتها في إطار العولمة، وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى محاولة الحفاظ على هوية جيوسياسية مستقلة عن حليفه الأمريكي بما فيها القيم الأخلاقية والقانونية، من أجل إظهار نوع من التفوُّق الأخلاقي الأوروبي على أمريكا حتى في أوقات الحرب، فجرى تفعيل بروتوكول 2003 -الذي كان جاهزا منذ 2002- القاضي بتوسيع إلغاء حكم الإعدام ليشمل زمن الحرب أيضا. وقد تزامن ذلك مع غزو الولايات المتحدة لأفغانستان في 2001، ثم العراق في 2003، إذ بدأ سريانه بعد أربعة أشهر من الغزو. إنها سياسة أوروبية لإظهار التميز الأخلاقي أمام العالم بمقابل الطرف الأمريكي الذي دخل للتوّ في مرحلة الحروب الدولية واسعة النطاق. وهذا ما يعني استغلالا للوضعية الحرجة التي أصابت صورة أمريكا من أجل كسب رصيد أخلاقي سياسي لصالح صورة الاتحاد الأوروبي حديث النشأة. وقد كانت النتيجة أن العديد من الدول حول العالم وفي سبيل الحصول على علاقات تعاونية مع أوروبا الجديدة فقد تخلت عن تنفيذ أحكام الإعدام كشرط من الشروط القيمية التي كان الاتحاد الأوروبي يضغط بها على شركائه.
وبناء على ما سبق فقد اتّضح أن إلغاء عقوبة الإعدام أتت في سياق أوروبي داخلي ودولي، هدفها الداخلي هو منح ضمانات سياسية للكيانات الجديدة من أجل ضمِّها لصالح الغرب وتأسيس قيم بديلة عن تلك الموروثة من إيديولوجيات الحرب العالمية الثانية، بينما هدفها الخارجي هو كسب صورة متفوِّقة أخلاقيا عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تطبق حكم الإعدام سواء في السلم أو الحرب.
ومنه، فإن الجزائر حينما تسعى لإعادة تنفيذ حكم الإعدام فهي تنطلق من تجربتها الأمنية والاجتماعية الخاصة أيضا، أي من بيئتها الإستراتيجية الداخلية. مما يعني أن التحجُّج بأوروبا والقياس عليها من أجل تجميد تنفيذ العقوبة هو قياسٌ فاسد؛ لأن أوروبا نفسها انطلقت من دوافع جيوسياسية محلية نظرا لتجربة التوظيف السيئ والمسرِف لهذه العقوبة على يد الإيديولوجيات السياسية أثناء الصراعات، في حين أن الجزائر تنطلق من ظروف أمنية أملتها مؤشراتُ الجريمة وليس السياسة. ومن هذا المنطلق تتضح الخلفية الجيوسياسية لقرار أوروبا بتجميد الإعدام بعيدا عن السرديات التسويقية حول حقوق الإنسان.
إلغاء عقوبة الإعدام أتت في سياق أوروبي داخلي ودولي، هدفها الداخلي هو منح ضمانات سياسية للكيانات الجديدة من أجل ضمِّها لصالح الغرب وتأسيس قيم بديلة عن تلك الموروثة من إيديولوجيات الحرب العالمية الثانية، بينما هدفها الخارجي هو كسب صورة متفوِّقة أخلاقيا عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تطبق حكم الإعدام سواء في السلم أو الحرب.