-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“بن نبي” ونهاية عصر التاريخ والهيمنة والحضارات !

بقلم: لعلى بشطولة وأمير نور
  • 57
  • 0
“بن نبي” ونهاية عصر التاريخ والهيمنة والحضارات !

يمكن قياس تراجع الدول بالأرقام: اقتصاد يضعف، وجيش يتعثر، وتحالفات تتبدل، وعملة تفقد شيئاً من سلطانها. لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تقول كل شيء. فثمة لحظات يبدأ فيها الانحسار قبل أن يظهر في الجداول والإحصاءات، حين يفقد نظام تاريخي كامل ثقته بنفسه، ويتصدع تماسكه الداخلي، وتتراجع قدرته على إقناع الآخرين بأن صورته هي الصورة الطبيعية للحاضر والمستقبل.

بالنسبة إلينا، نحن الذين نشأنا في مجتمعات لم تعرف الاستعمار بوصفه مفهوماً مجرداً في كتب التاريخ، بل ذاكرة ما تزال حاضرة في العائلات والمدن والضمائر، فالمسألة هنا لا يمكن أن تكون أكاديمية بحتة. عرفنا قوة الغرب في ذروتها، وتعلمنا من علومه، واحتككنا بمؤسساته، ورأينا عن قرب تناقضاته، وشاهدنا في أكثر من محطة كيف اصطدمت ادعاءاته الكونية حول الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية بوقائع القوة والمصلحة والهيمنة.

واليوم، فيما تعيش منطقة الشرق الأوسط اضطرابات جديدة، وتُدمَّر غزة، وتواجه إيران ضغوطاً ومواجهات متصاعدة، وتخضع القوة الأمريكية لاختبارات لم تكن مألوفة قبل عقود، ويتعرض النظام الدولي الذي تشكل تحت الهيمنة الغربية لمزيد من التشكيك، نجد أنفسنا نعود إلى مفكر أدرك أن الحضارات لا تُقاس، في نهاية المطاف، بعدد ما تملكه من حاملات الطائرات أو بما تراكمه من ثروات.

قبل وقت طويل من تحوّل «التعددية القطبية» إلى مفهوم مركزي في الجغرافيا السياسية المعاصرة، اقترح مالك بن نبي طريقة أخرى لقراءة التاريخ: الإنسان، والتراب، والوقت، والأفكار، والطاقة الأخلاقية، وتلك اللحظة التي يكتسب فيها مجتمع ما القدرة على دخول التاريخ وصناعته، أو يبدأ في فقدانها.

وهذا بالتحديد ما يجعل بن نبي قريباً من حاضرنا؛ ليس لأنه تنبأ بما نراه اليوم، بل لأنه ترك لنا لغة فكرية تساعدنا على فهمه.

معادلة التاريخ

في كتابه الصادر حديثاً «لماذا يهم التاريخ؟ إحياء الإيمان من خلال عدسة التاريخ»، يتناول الدكتور يعقوب أحمد قضايا تمتد من اللاهوت والحضارة إلى الخيال والسرد، في محاولة لإحياء الوعي التاريخي بوصفه ضرورة فكرية وروحية. ويذكّر بالمقولة الشائعة القائلة إن التاريخ يميل إلى تكرار نفسه، وبالعبارة المنسوبة على نطاق واسع إلى مارك توين، ومفادها أن التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه «يتقافى».

إلا أن نسبة هذه العبارة إلى توين تبقى غير ثابتة توثيقياً. فأقرب صياغة موثقة لفكرة أن التاريخ «يتقافى» ظهرت في نص لثيودور رايك سنة 1965، بينما عبّر توين نفسه عن فكرة قريبة من تكرار الأنماط التاريخية من دون استخدام استعارة القافية. والأدق إذن أن نتعامل معها بوصفها حكمة شائعة نُسبت إليه، لا اقتباساً ثابتاً عنه.

يذهب أحمد إلى أن إحدى الطرق لفهم ميل البشر إلى إعادة إنتاج أفعال الماضي تتمثل في النظر إلى صعود الدول وسقوطها، وإلى محدودية القوة مهما امتدت، وإلى الدورات التي تمر بها أنظمة الاستبداد قبل أن تصل، هي الأخرى، إلى نهايتها.

وابن خلدون لم يكن، كما يلفت أحمد، المفكر المسلم الوحيد الذي اهتم بفكرة الدورات التاريخية؛ فالتصورات الدورية للتاريخ لم تكن حكراً على الفكر الإسلامي، بل انشغل بها مفكرون في أوروبا الغربية والدولة العثمانية أيضاً، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بحثاً في الكيفية التي تتكرر بها تجارب الأمم والدروس التي يمكن استخلاصها من صعودها وأفولها.

التحليل السياسي التقليدي يفسر، في الغالب، التحول العميق الذي يميز الجغرافيا السياسية المعاصرة، أي الانتقال من عالم أحادي القطبية تدور رحاه حول الهيمنة الغربية إلى عالم أكثر تفككاً وتعددية، بالاعتماد على مؤشرات الاقتصاد الكلي، والعجز الديموغرافي، والتمدد العسكري واللوجستي المفرط. وهي مقاربة تنطلق أساساً من فهم مادي وعلماني للواقع، يقوم على الأدلة التجريبية والتحليل العقلاني، ويترك التفسيرات الدينية والروحية خارج معادلة التفسير.

مالك بن نبي قدّم تشخيصاً مختلفاً في جوهره؛ فمن خلال منهج يعكس تكوينه الفكري والديني، ويصل بين بعض عناصر علم الاجتماع الإسلامي، والكتابات الغربية في فلسفة التاريخ خلال القرن العشرين، والتحليل البنيوي الحديث، لم يتعامل مع التاريخ باعتباره سلسلة من المصادفات أو مجرد نتيجة لتراكمات مادية، بل باعتباره سيرورة تحكمها قوانين بنيوية ذات أبعاد نفسية واجتماعية.

وتتجسد هذه الرؤية في معادلته الشهيرة:

الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

على أن هذه العناصر الثلاثة، كما يوضح بن نبي، موجودة في كل مجتمع بشري، لكنها تبقى ساكنة ما لم تحركها فكرة قادرة على جمعها وتوجيهها؛ فالحضارة لا تولد من الإنسان والتراب والوقت بمجرد اجتماعها، بل من الطاقة التي تحولها إلى مشروع تاريخي.

وقد رسم بن نبي دورة الحضارة عبر ثلاث مراحل كبرى: مرحلة الروح، ثم مرحلة العقل، وأخيراً مرحلة الغريزة. ففي مرحلة الروح، تعمل الفكرة الأخلاقية أو الدينية القوية على تهذيب الغرائز الأولية، وجمع الأفراد داخل شبكة اجتماعية متماسكة، وتحويل الإمكانات البشرية إلى قدرة على صناعة التاريخ وبناء المؤسسات والعلوم والقوانين والعمران. ثم تأتي مرحلة العقل، حيث تتسع قدرات الحضارة التنظيمية والإنتاجية.

لكن حين تفقد الفكرة المؤسسة طاقتها الحية، تبدأ الروابط في التفكك. ويتقدم الفرد على الجماعة، والاستهلاك على المعنى، والشيء على القيمة. وهنا تدخل الحضارة ما سماه بن نبي مرحلة الغريزة، حيث تتراجع الفكرة إلى الخلف وتستعيد الدوافع الفردية والمادية موقعها في توجيه المجتمع. وعند هذه النقطة يبدأ التدهور الأخلاقي والاجتماعي في التحول إلى أزمة حضارية أوسع.

بين ابن خلدون وتوينبي

كيف تقارن رؤية بن نبي برؤى كبار منظري الحضارة والتاريخ؟

يبرز هنا اسمان تركا أثراً عميقاً في دراسة مصائر المجتمعات والحضارات: عبد الرحمن بن خلدون، صاحب «المقدمة»، وأرنولد ج. توينبي، صاحب «دراسة التاريخ». وليس من المستغرب أن نجد أفكارهما حاضرة، بدرجات مختلفة، في الخلفية الفكرية لمالك بن نبي.

ربط ابن خلدون صعود الدول بقوة العصبية، أي التضامن والتماسك الجماعي، ورأى أن الجماعات الأكثر خشونة وتماسكاً تستطيع الصعود والسيطرة، قبل أن يؤدي الترف والتحضر إلى إضعاف عصبيتها وفتح الطريق أمام جماعة جديدة أكثر قوة وتماسكاً.

بن نبي ذهب إلى مستوى أعمق من التفسير. فالتماسك الاجتماعي، في نظره، ليس وليد البيئة أو رابطة الدم وحدهما، بل تعبير عن فاعلية فكرة عليا تمنح الجماعة معنى واتجاهاً. والترف نفسه ليس خطراً لأنه يوفر الراحة، بل لأنه قد ينقل مركز الثقل من الواجب الجماعي إلى الإشباع الفردي، فيضعف الروابط التي جعلت من المجتمع قوة تاريخية.

وتتقاطع رؤية بن نبي أيضاً مع نظرية توينبي حول «التحدي والاستجابة». فكلاهما رفض اختزال تفوق الحضارات في العامل العرقي أو الجغرافي. ويعتبر توينبي أن «الأقلية المبدعة» حين تعجز عن تقديم استجابات جديدة للتحديات، تتحول إلى «أقلية مهيمنة» تعتمد أكثر فأكثر على الإكراه للحفاظ على موقعها.

بن نبي، من زاويته الخاصة، يقدم ما يشبه التشريح النفسي لهذا التحول. ففقدان القدرة على الإبداع ليس مجرد عجز سياسي أو تقني، بل نتيجة لانطفاء الطاقة التي كانت تجعل الأفكار حية وفاعلة. وحين تتحول الأفكار إلى أشكال ثقافية فارغة، تصبح القوة المجردة بديلاً عن الإقناع والإبداع.

كل الطرق تؤدي إلى روما

في العصر الحديث، قدم بول كينيدي وفرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون وغيرهم تفسيرات مختلفة لمسارات القوى والحضارات، لكنها تشترك، رغم اختلافها، في منح العوامل المادية والسياسية دوراً مركزياً.

في كتابه المعروف «صعود وسقوط القوى العظمى: التغير الاقتصادي والصراع العسكري من 1500 إلى 2000»، يتتبع المؤرخ بول كينيدي تطور القوى الكبرى خلال خمسة قرون، وخلاصته الأساسية أن القوة العسكرية للإمبراطوريات تستند إلى مواردها الاقتصادية.

بيد أن كلفة الحفاظ على التفوق العسكري قد تتحول، مع مرور الزمن، إلى عبء يستنزف القاعدة الاقتصادية نفسها: تزيد الدولة إنفاقها الدفاعي للحفاظ على موقعها، فتزداد الاختلالات، وتتحول الموارد عن الاستثمار المنتج.

لكن بن نبي كان سينظر إلى ما يسميه كينيدي «التمدد الإمبراطوري المفرط» بوصفه عرضاً من أعراض أزمة أعمق، لا سبباً أولياً لها. فالاختلالات الاقتصادية والعسكرية، في منظوره، تظهر بعد أن تكون الحضارة قد بدأت تفقد طاقتها الداخلية؛ فالمجتمع الذي يمتلك رصيداً أخلاقياً وفكرياً قوياً قد يصمد أمام الندرة، بينما لا تنقذ الثروة وحدها مجتمعاً فقد المعنى الذي يجمعه.

هنتنغتون توقع من جهته أن تكون خطوط الصدع الثقافية والدينية من أهم مصادر الصراع بعد الحرب الباردة.

غير أن بن نبي كان سيقرأ المسألة بطريقة مختلفة. فالتوتر بين الغرب والعالم الإسلامي لا يفسَّر بالضرورة باعتباره صداماً أزلياً بين حضارتين، بل يمكن النظر إليه أيضاً باعتباره نتاج أزمة حضارة غربية بلغت درجة عالية من المادية، ومجتمعات إسلامية أصابها ما سماه بن نبي «القابلية للاستعمار»، أي فقدان القدرة الذاتية على المبادرة والفعل التاريخي.

ومن هذه الزاوية تمثل فلسفة بن نبي اعتراضاً عميقاً على أطروحة فرانسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ». فالحضارة ليست، عند بن نبي، مجرد تراكم للسلع والمؤسسات. ولا يكفي استيراد التكنولوجيا أو تقليد النظم السياسية أو استهلاك منتجات الآخرين لصناعة حضارة. إذ لا بد من فكرة حية، ومن مرجعية أخلاقية تمنح المجتمع القدرة على إنتاج ذاته.

تناول بن نبي مفهوم «نهاية التاريخ» قبل فوكوياما بسنوات طويلة، لكن من منطلق حضاري مختلف جذرياً.

فوكوياما ينظر إلى التاريخ باعتباره مساراً تطورياً خطياً ينتهي، بحسب أطروحته، بوصول البشرية إلى شكل سياسي وأيديولوجي نهائي. بن نبي ينظر إليه بدل ذلك من خلال دورات الحضارات: تنتهي مرحلة معينة عندما تستنفد حضارة ما طاقتها النفسية والروحية، لكن التاريخ نفسه لا يتوقف، إذ يمكن أن تبدأ دورة جديدة من نقطة أخرى.

والفرق نفسه يظهر في صورة «الإنسان الأخير». فوكوياما، متأثراً بنيتشه، يتحدث عن فرد آمن ومشبع مادياً، لكنه فقد الطموحات الكبرى والاستعداد للمخاطرة. بن نبي وصف بدوره في العالم الإسلامي حالة من فقدان الفاعلية أطلق عليها «القابلية للاستعمار»: مجتمع فقد طاقته المؤسسة، وتحول إلى مستهلك لما ينتجه الآخرون، ولم يعد شريكاً في صناعة التاريخ.

الغرب أمام مرآة السقوط

اشتهر المؤرخ وعالم الأنثروبولوجيا والديموغرافيا إيمانويل تود بتوقعه المبكر لانهيار الاتحاد السوفييتي، مستنداً، ضمن مؤشرات أخرى، إلى معطيات ديموغرافية. وفي كتابه «هزيمة الغرب» الصادر عن دار غاليمار سنة 2024، يقدم قراءة حادة لأزمة الغرب، مركزاً على عوامل ديموغرافية وصناعية ودينية وفكرية. ويربط تود بين تراجع البنى الدينية، ولا سيما انحسار البروتستانتية، وبين صعود ما يسميه العدمية في المجتمعات الغربية.

وفي هذا الجانب تحديداً يمكن العثور على نقطة التقاء مع بن نبي. فحين تضعف القدرة على نقل القيم والمعنى من جيل إلى آخر، وحين يصبح الإشباع الفردي هو المرجع الأعلى، يتراجع ما يجعل المجتمع مشروعاً حضارياً مشتركاً.

وفي الاتجاه نفسه، يرى المؤرخ بيتر هيذر والاقتصادي جون رابلي، في كتابهما «لماذا تسقط الإمبراطوريات؟ روما وأمريكا ومستقبل الغرب»، أن نجاح الإمبراطوريات نفسه قد يحمل بذور أزمتها المقبلة. فالمركز الإمبراطوري يوسع التجارة والثروة والنفوذ، ويؤدي، من حيث لا يريد، إلى تحديث الأطراف وتمكينها، قبل أن تتحول هذه الأطراف إلى منافسين قادرين على تحديه.

ويجد المؤلفان أوجه شبه بين روما القديمة والغرب الحديث بقيادة الولايات المتحدة، من بينها عودة قوى كانت تقع في الأطراف إلى موقع المنافسة مع المركز. لكنهما لا يعتبران الانهيار الكامل قدراً محتوماً، ويريان أن الحفاظ على مصالح الغرب يقتضي التخلي عن وهم القدرة على إدارة العالم بالقوة، والتكيف مع واقع دولي أكثر تعددية.

والواقع أن الأدبيات التي تقارن بين مصير روما القديمة ومصير الغرب الحديث اتسعت بصورة لافتة خلال العقود الأخيرة، ولا سيما منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وصعود الولايات المتحدة إلى موقع القوة العظمى الوحيدة.

قبل نحو عقدين من كتاب هيذر ورابلي، تناول كولن مورفي هذه المسألة في كتابه «روما الجديدة: سقوط إمبراطورية ومصير أمريكا». وقارن بين نظرة الرومان والأمريكيين إلى نخبهم السياسية، وانعزالهم الثقافي، ومشكلات التمدد العسكري، واتساع الفجوة بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية، وأزمة الحدود، وتزايد مظاهر الفساد.

وكان الرومان يعرفون، بالطبع، أن إمبراطوريات كثيرة سبقتهم إلى السقوط. لكنهم، في زمن ذروة الثقة، كانوا يرون أن روما استثناء. لقد انتقلت إليها شعلة التاريخ، ولن تنطفئ.

وكل إمبراطورية، على الأرجح، تميل في ذروة قوتها إلى الاعتقاد بأنها الاستثناء الذي لا تنطبق عليه قوانين التاريخ.

خارج الدوائر الأكاديمية، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من القلة بين القادة الغربيين الذين تحدثوا علناً عن هذا التحول. ففي خطابه أمام مؤتمر السفراء في قصر الإليزيه يوم 27 أغسطس/آب 2019، قال إن العالم يشهد، بلا شك، نهاية الهيمنة الغربية، رابطاً ذلك بأخطاء ارتكبها الغرب وبصعود قوى جديدة.

وبالمناسبة، فإن وصف الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة بـ«القوة المفرطة»، أو Hyperpuissance، ارتبط في الخطاب السياسي الفرنسي بوزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين، لا بدومينيك دو فيلبان.

مصير «الدولة اليهودية»: الابن على خطى الأب

في كتابه «وحشية قرننا: الحرب على فلسطين والإنسان الغربي الأخير»، خصص أمير نور فصلاً كاملاً لمسألة مستقبل ما يسميه الإسرائيليون «الدولة اليهودية».

وينطلق من قناعة مفادها أن هذا الكيان، الذي أُنشئ سنة 1948 بدعم غربي واسع، وفي فضاء جغرافي وحضاري يختلف عن تاريخ وثقافة وتطلعات أعداد كبيرة من المستوطنين الصهاينة القادمين من أوروبا الوسطى والشرقية، يواجه أزمة شرعية وديموغرافية عميقة تجعل استمراره على المدى الطويل موضع تساؤل.

ويرى نور أن أي تسوية دائمة لصراع تعود جذوره الحديثة إلى ترتيبات الحرب العالمية الأولى وما تلاها لا يمكن أن تقوم على استمرار الهيمنة ونفي حقوق شعب آخر. فالحل المستدام، في نظره، يقتضي نظاماً سياسياً جديداً في فلسطين يضمن للمسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم مساواة دستورية حقيقية في الحقوق والواجبات.

وقد يأخذ ذلك شكل دولة ديمقراطية واحدة، أو صيغة كونفدرالية بين كيانين، بحسب ما تسمح به موازين القوى وتطورات الواقع. أما المبدأ الذي لا يمكن تجاوزه فهو أن السلام الدائم لا يبنى على التفوق العسكري وحده، ولا على إنكار الذاكرة والحقوق.

وما كان يُقدَّم طويلاً بوصفه وهماً أو فكرة مستحيلة، بدأ يجد صداه، بدرجات متفاوتة، لدى شخصيات أكاديمية وسياسية غربية، وداخل قطاعات من الشباب اليهودي والأمريكي، وفي التحولات التي تعكسها بعض استطلاعات الرأي حول القضية الفلسطينية.

وفي كتابه «إسرائيل: سباق نحو الهاوية»، يقدم المؤرخ الإسرائيلي-الأمريكي عمر بارتوف، المتخصص في تاريخ ألمانيا النازية والمحرقة، نقداً شديداً لمسار إسرائيل. ويناقش الكتاب التحول من دولة قُدمت بوصفها ملاذاً بعد المحرقة إلى نظام إثني-قومي، ويوجه فيه بارتوف اتهامات خطيرة إلى إسرائيل بشأن الجرائم المرتكبة في غزة.

ومن الضروري هنا التمييز بين مراحل تطور موقف بارتوف. فقد كان موقفه في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 مختلفاً عن توصيفاته اللاحقة، ولم يكن، في ذلك الوقت، يستخدم توصيف «الإبادة الجماعية» بالطريقة التي استخدمه بها في مراحل لاحقة من الحرب. ولذلك لا يصح دمج مواقفه المختلفة زمنياً في موقف واحد ثابت.

وبشأن الحل السياسي، طرح بارتوف في مراحل مختلفة أفكاراً لا تتطابق دائماً مع الصيغة ذاتها، وهو ما يقتضي الحذر من اختزال موقفه في اقتراح واحد نهائي.

ويذهب جون ج. ميرشايمر إلى أن التاريخ ليس خلفية محايدة للعلاقات الدولية، بل قوة حية تشكل الإدراكات وتغذي المظالم وتؤثر في سلوك الدول والمجتمعات. فحرب يونيو/حزيران 1967 وما أعقبها من احتلال للقدس الشرقية والضفة الغربية وغزة والجولان لم تكن مجرد حدث عسكري، بل محطة تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السياسية العربية.

ومع استمرار الاحتلال، لا يبقى أثره محصوراً في الفلسطينيين. ففي أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تُقرأ إسرائيل بصورة متزايدة من خلال تاريخ الاستعمار والاستيطان، وهو ما يعمق عزلتها في عالم متعدد الأقطاب تتعاظم فيه أهمية الجنوب العالمي.

وفي أوروبا أيضاً تغيرت، مع مرور الوقت، طبيعة التعاطف التاريخي مع إسرائيل. أما في الولايات المتحدة، فإن التوافق التقليدي حول الدعم غير المشروط لم يعد بالقوة نفسها، ولا سيما بين الأجيال الشابة التي تنظر إلى القضية الفلسطينية من خلال مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي أكثر من منظور تحالفات الحرب الباردة.

والتاريخ، في النهاية، مليء بأمثلة دول اعتمدت طويلاً على ضمانات قوة خارجية، ثم اكتشفت أن الضامن نفسه لا يملك التزاماً أبدياً حين تتغير المصالح والحسابات.

ويتقاطع وضاح خنفر، الصحفي الفلسطيني والمدير العام السابق لشبكة الجزيرة، مع جانب من هذا التحليل، حين يشير إلى أن الاستراتيجيين الغربيين والإسرائيليين يميلون إلى قياس نتائج صراعاتهم في العالم العربي والإسلامي بحجم الدمار وبالتفوق التكنولوجي والعسكري، متجاهلين البعد النفسي والحضاري.

فتدمير البنية التحتية لا يمحو إرادة شعب في الكرامة، كما لا يمحو ذاكرته الجماعية. وقد علمتنا تجارب الحروب الصليبية والغزو المغولي وحملة نابليون والحقبة الاستعمارية أن القوة العسكرية تستطيع فرض واقع معين، لكنها لا تستطيع أن تحكم الذاكرة إلى الأبد.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحرب على غزة والتصعيد ضد إيران بوصفهما جزءاً من اهتزاز أوسع في النظام الذي حكم المنطقة لعقود طويلة تحت مظلة الهيمنة الغربية.

ويرى خنفر أن الخروج من هذا الوضع يتطلب حركة مزدوجة: نهضة داخلية ترفض السلبية والعجز، تقودها أجيال جديدة قادرة على إعادة صياغة الرواية واستعادة الفعل، وتعاوناً إقليمياً يحرر المنطقة تدريجياً من موقع التابع أو من كونها ساحة للصراع بين القوى الكبرى.

عندها فقط يمكن للمنطقة أن تتوقف عن كونها ملعباً للآخرين، وأن تعود إلى كتابة تاريخها بنفسها.

خاتمة

وهنا تحديداً ينبغي أن نعود إلى مالك بن نبي للمرة الأخيرة.

فتراجع حضارة ما ليس شهادة ميلاد تلقائية لحضارة أخرى. وضعف الهيمنة الغربية، مهما بلغ مداه، لن يعيد، بذاته، الفاعلية التاريخية إلى العالم العربي والإسلامي. ولن يؤدي تراجع النفوذ الأمريكي، أو تزايد عزلة إسرائيل، أو صعود التعددية القطبية، أو ظهور قوى جديدة، بصورة آلية، إلى ولادة حضارة جديدة.

وربما كان بن نبي سينظر إلى انتظار تراجع الآخرين بوصفه شكلاً آخر من أشكال التبعية: أن ننتظر من التاريخ أن يمنحنا موقعاً، بدلاً من أن نصنعه بأنفسنا.

ولهذا، في نهاية المطاف، يهمنا التاريخ.

نحن أبناء منطقة عرفت الغزو والمقاومة، والإذلال والتجدد، والاستعمار والاستقلال. ورثنا جراحاً، لكننا ورثنا أيضاً إمكانات. وتعلمنا أن التفوق العسكري يستطيع احتلال الأرض، وتدمير المدن، وفرض أنظمة سياسية، أحياناً لأجيال، لكنه لا يستطيع إلى الأبد السيطرة على الذاكرة، أو القضاء على الكرامة، أو إخماد رغبة الإنسان في استعادة قدرته على الفعل.

الإمبراطوريات تكتشف ذلك عاجلاً أم آجلاً.

أما الشعوب، فنادراً ما تنساه.

ولذلك فإن الدرس الذي يتركه لنا مالك بن نبي ليس نبوءة بانهيار الغرب، ولا وعداً جاهزاً بنهضة إسلامية. إن درسه أكثر صعوبة، وربما أكثر إلحاحاً: لا حضارة ترث المستقبل لمجرد أن حضارة أخرى بدأت تفقد قبضتها على الحاضر.

التاريخ لا يكافئ الذين يقفون إلى جانب أنقاض نظام منهك، منتظرين ما سيأتي بعده.

إنه يبدأ من جديد مع الذين يملكون القدرة على تحويل الإنسان والتراب والوقت إلى معنى، ومسؤولية، وفعل.

ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح علينا هو فقط: هل يقترب عصر من نهايته؟

السؤال الأهم هو:

هل نحن مستعدون للمشاركة في كتابة ما سيأتي بعده؟

الهوامش والمراجع

  1. Yakoob Ahmed, Why History Matters: Reviving Faith Through the Lens of History, Ketebe Publishing, Istanbul, Türkiye, 2025. وفيما يتعلق بالعبارة المنسوبة إلى مارك توين عن أن التاريخ «لا يكرر نفسه، لكنه يتقافى»، ينبغي التعامل معها بوصفها نسبة شائعة غير ثابتة توثيقياً.
  2. Emmanuel Todd, La Défaite de l’Occident, Gallimard, Paris, 2024.
  3. Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000, Unwin Hyman, London, 1988.
  4. Edward Gibbon, The History of the Decline and Fall of the Roman Empire.
  5. Peter Heather and John Rapley, Why Empires Fall: Rome, America, and the Future of the West, Allen Lane, 2023.
  6. Cullen Murphy, The New Rome: The Fall of an Empire and the Fate of America, Houghton Mifflin Company, 2007.
  7. Narges Bajoghli and Vali Nasr, “Iran’s New Grand Strategy”، Foreign Affairs, July/August 2026؛ وMarc Lynch، “The End of the American Middle East: Iran and the Last Gasp of a Failed Order”، Foreign Affairs, September/October 2026.
  8. خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام مؤتمر السفراء، قصر الإليزيه، 27 أغسطس/آب 2019. أما مصطلح Hyperpuissance فقد ارتبط في الخطاب السياسي الفرنسي بهوبير فيدرين.
  9. Amir Nour, The Monstrosity of Our Century: The War on Palestine and the Last Western Man.
  10. Omer Bartov, Israël. Une course vers l’abîme, ترجمة Sibylle Grimbert، Éditions du Seuil، Paris، 2026.
  11. John J. Mearsheimer، في تحليلاته المتعلقة بعزلة إسرائيل والتحولات في الرأي العام الغربي والعالمي، مع ضرورة إسناد أي اقتباس حرفي إلى مصدره المحدد عند النشر.
  12. Yakov M. Rabkin, Israel in Palestine: Jewish Rejection of Zionism, Aspect Editions, 2025.

نص مترجم من النسخة الإنجليزية الأصلية

MALEK BENNABI AND THE END OF AN AGE

History, Hegemony and the Civilizations That Outlive Empires

By Laala Bechetoula and Amir Nour

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!