بذور التغيير… قبل أن تُصبح مشكلات الغد غير قابلة للحل!
يبدو أننا اليوم في حاجة إلى التركيز على المشكلات الجوهرية التي ستؤثر بكيفية كبيرة على مستقبلنا أكثر من التركيز على المشكلات الآنية، لسبب بسيط أن المشكلات الآنية ما كانت لتكون لو أننا عالجناها قبل عقد من الزمن من الآن عندما كانت على شكل “بذور تغيير” قادم لم يحدث بعد.
بالنسبة للمشكلات الآنية يمكن أن تتكفل بها الهيئات والمؤسسات القائمة ويتم التعامل معها وفق الأساليب السائدة اليوم بما لها وعليها، وكلما تم التقليل منها كلما كان ذلك جيدا، علما أن التحليل الاستشرافي بأثر رجعي يؤكد أن مثل هذه المشكلات التي لم يتم التعامل معها عندما كانت في مرحلتها الجنينية يصعب حلها اليوم حلا جذريا كما يدعي البعض إنما يمكن فقط وضع حد لآثارها السلبية ومنعها من أن تولِّد بذور مشكلات مستقبلية قادمة.
إذا تمت هذه العملية نكون قد نجحنا في وضع حد لتكاثر المشكلات غير القابلة للحل من تلقاء نفسها. ولكن الموقف الاستباقي البالغ الأهمية اليوم ينبغي أن يركز على بذور التغيير القادم التي ينبغي رصدها وتأطيرها من الآن والتعامل معها بالكيفية الملائمة لكي لا تفلت من أيدينا كما حدث في العقود السابقة نتيجة ضعف الاستشراف والقدرة على الاستباق واستحداث التغييرات المنشودة إن في البنية الفكرية أو المجتمعية أو الاقتصادية أو السياسية للمجتمع.
لذلك نقول اليوم أن من أهم بذور التغيرات الجوهرية القادمة التي ينبغي الحرص على مرافقتها ومعرفة كيفية التعامل معها وفي كافة الميادين ومن الآن، هي بذرة الذكاء الاصطناعي وتأثيره على العقول ومختلف الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القادمة.
إن الذي يحدث من تأثيرات على المجتمع من خلال منصات التواصل الاجتماعي يتمثل جوهره اليوم في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تدير هذه المنصات، الأمر ذاته بالنسبة للتأثير على القدرات الإنتاجية المختلفة في جميع المجالات من الفلاحة إلي الصناعة إلى الخدمات والتسيير، وعلى جميع القطاعات الاستراتيجية في البلاد وعلى رأسها التعليم والإعلام والأمن. لقد بدأ الذكاء الاصطناعي يشكل بذرة التأثير المستقبلي عليها، وينبغي التعرف على هذه البذرة وحسن إدارة التعامل معها.
والبداية تكون بوعي أبعاد هذه المسألة وتداعياتها وتوقع السيناريوهات التي يمكن أن تَنجر عنها في المستقبل، وذلك في كافة القطاعات، ثم الانطلاق من الرصيد المعرفي والتاريخي والثقافي والقيمي الذي نملك لِتأطيرها، ذلك أن القول بحتمية القبول السلبي لهذا التطور المذهل والمتزايد يوميا لِخواريزميات الذكاء الاصطناعي يُعَد مُجانبا للصواب، كما أن القول بالرفض المطلق لهذه التطورات التكنولوجية القادمة بتسارع كبير لحماية أنفسنا منها، يعد هو الآخر مناقضا لمنطق التعامل مع التغيير وغير مُجدٍ من الأساس، ذلك أن التغيير قادم سواء أردنا أم لم نرد ذلك.
وهي مسألة مطروحة ليست فقط على الدول النامية إنما على الدول المتقدمة ذاتها المنتِجة للذكاء الاصطناعي التي ستُعاني هي الأخرى من مشكلات من ذات الطبيعة ولكنها مختلفة من حيث درجة التأثير، ويقود الآن فلاسفة التكنولوجيا في الشرق والغرب ونقاد العصر الرقمي (Stiegler،Shoshana Zuboff،Don IhdeوYuk Hui) مثل هذه العملية، بل إن مهندسي الذكاء الاصطناعي أنفسهم مثل (Tristan Harris،Stuart Russell) يتقاطعون معهم أحيانا في نفس التفكير محاولين استباق التغييرات القادمة حتى لا تنهار مجتمعاتهم، ومنهم من يرى أن قدرات الدول النامية وبخاصة الدول ذات الثقافات المتميزة عن الغرب قادرة للمساهمة في صناعة تكيُّف مجتمعاتها مع القادم من التغييرات في العقود القادمة (Timnit Gebru،Jaron Lanier) (انظر في هذا المجال حلقتنا عن الذكاء الاصطناعي الأسود، برنامج استشرافات).
مناقشة مثل هذه المسائل على مختلف المستويات يبدو لي أنه الرواق الأنسب لمن يريد التفكير ليس في إنقاذ يومه إنما توجيه السفينة بمن فيها إلى بر الأمان. إننا نملك من العقول في جميع المجالات لتحفيز التفكير في المستقبل، فقط ينبغي لها أن تتحرر من ضغوط الحاضر وأن لا تعتبرها الأهم والأكثر خطورة.
إن هذه الضغوط الحاضرة اليوم ما كانت لتكون بهذه الحدة وأحيانا بصعوبة القابلية للحل، لو تم التعامل معها في زمن مبكر. ولهذا ينبغي عدم تكرار ذات الخطأ وذات التجربة. لِننظر اليوم إلى بذور مشكلات الغد. تلك أولوية لكل من أراد التفكير ضمن إطار “أن تُعلمنِ مما عُلِّمتَ رُشدا”…