-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حروب العصا والأفيون

عمار يزلي
  • 26
  • 0
حروب العصا والأفيون

من أخطر الأسلحة التي اعتمدها الانتشار الاستعماري الأوروبي ما بعد عصر الصناعة والرأسمالية، قصد توسيع أسواقه وهيمنته التجارية والعسكرية، سلاح الأفيون، المخدِّر الأكثر انتشارا إلى اليوم في العالم، إلى درجة أن هذه المادة النباتية، باتت إلى اليوم مضرب مثل عن مختلف طرق تخدير الشعوب وتلهيتهم وإبعادهم عن قضاياهم اليومية وشؤونهم العامة الداخلية، حتى أن كارل ماركس ضرب مثلا تخدير أوروبا لشعوبها لقرون طويلة بواسطة الدين الكنسي، خاصة في عهد ما قبل الرأسمالية، الإقطاع والعصور الوسطى، وذلك بعبارة “الدين أفيون الشعوب”.

أخطر سلاح فتاك وعلى المدى الطويل على صحة الدول والشعوب وأمنها، قبل التفجير النووي الأول على “ناغازاكي” و”هيروشيما” في أوت 1945، وما تلاه بعدها من انتشار ما يسمى حاليا في الأدبيات العسكرية “أسلحة الدمار الشامل”، كان سلاح المخدرات، وبالضبط “الأفيون”، فلقد اندلعت حرب “الحشيش”، الأولى بين الصين وبريطانيا خلال منتصف القرن الـ19، وسميت “حرب الأفيون” الأولى. كان ذلك بداية 1839، إلى غاية 1842. سبب اندلاعها، كان تجاريا كما هو بادي: بريطانيا في العهد الفيكتوري، كانت تستورد من الصين الشاي والحرير والخزف، وكان هذا يستنزف خزينة بريطانيا من الفضة التي كانت مادة عملة التعامل الاقتصادي وقتها بين الصين وبريطانيا، والتي لم تكن الصين تقبل التبادل بغيرها. قامت بريطانيا بالبحث عن سلعة مطلوبة في الصين لتكون قيمة تبادلية، وكان الأفيون هو “العملة العميلة” عن طريق التهريب وعن طريق “شركة الهند الشرقية” البريطانية الفرنسية الهولندية، التي كانت تحتكر زراعة الأفيون وتسويقه في الهند أيام الاحتلال البريطاني، تمكنت من استنزاف مقدرات الصين من الفضة، مما أدى إلى تضخم غير مسبوق، أدى في النهاية إلى إحداث عدة انتفاضات شعبية، وشعب مخدَّر لا يقوى على العمل ولا حتى على التفكير. تدخَّلت الصين وبدأت حملة إتلاف أطنان من الأفيون البريطاني في المخازن واعتقال بارونات تجارة الحشيش، ومنع تهريب الأفيون، مما أدى ببريطانيا إلى شن حرب عسكرية ضد الصين انتهت بهزيمة هذه الأخيرة وتنازلها عن جزيرة هونغ كونغ لبريطانيا.

حرب الأفيون الثانية، كما تسمى تاريخيا، حدثت ما بين  1856 و1860، بسبب عمل القوى الأوروبية وقتها على تحقيق مطلب توسيع أرباحها عبر الوصول إلى موانئ الصين: انضمت فرنسا إلى بريطانيا في هذه الحرب، ومن جديد هُزمت الصين أمام أساطيل الجيوش البريطانية والفرنسية، وفرضتا عليها عبر معاهدة “نانجينغ” سنة 1842، فتح 5 موانئ صينية أمام التجارة البريطانية والفرنسية: ميناء “غوانغتشو” المشهور اليوم لدى المتعاملين الاقتصاديين، ثم ميناء “شنغهاي”، و”شيامن” و”فوزهو” و”نينغبو”.

من نتائج ذلك، إضعاف الصين اقتصاديا وسياسيا وعسكريا واستنزافها ماليا وتراجع مكانتها ضمن التجارة العالمية، بسبب انتشار استهلاك المخدرات الذي أضرّ بالشعب كما أضرّ بالدولة وبالسيادة.

ما تقوم به اليوم بعض الدول عبر مجاميع بارونات المخدرات وحتى عبر أجهزة رسمية باسم تجارة الأفيون لأسباب طبية، كما يحلو للمغرب مثلا أن يسميه ويروِّج له إعلاميا، الهدف منه هو إغراق دول الجوار والإقليم والمنطقة العربية وصولا إلى دول أوروبا الجنوبية بالمخدرات ومنها الأفيون، بحثا عن موارد مالية تخدر مؤقتا ألم النظام المتأرجح، وتُضعف الخصوم السياسيين لاسيما دول الجوار. يحدث هذا اليوم بالتعاون مع كيانات معادية أجنبية عربية وأوروبية بالتعاون والتنسيق الوطيد مع الكيان الصهيوني، تجارة وأهدافا ودسائس ومؤامرات.

حرب الأفيون لم تنته، تتغير في الشكل وفي الأسماء والمتعاملين، لكن الهدف واحد: ضرب مقدرات الشعوب والدول وإضعاف الموقف المستقل القوي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!