مقارنة بين تكلفة العيش في الجزائر وفي المغرب
لا تُقاس الأمم بعدد الأبراج الزجاجية التي تلمع في عواصمها، ولا بحجم الشعارات الدبلوماسية التي تُرفع في المحافل الدولية، بل تُمتحن الدول وتُقاس عراقتها في مطبخ المواطن البسيط، وحجم ما يقتطعه رغيف الخبز وفنجان القهوة من دخله اليومي.
وعندما نضع نموذجين إقليميين متجاورين في شمال إفريقيا تحت مجهر المقارنة الدقيقة، وهما الجزائر والمغرب، فإننا لا نقارن مجرد أرقام صماء في تقارير البنوك الدولية، بل نقارن فلسفتين متضادتين تماما في إدارة الشأن العام: الأولى تجعل من الأمن الاجتماعي والكرامة المعيشية خطا أحمر لا يمكن تجاوزه، بينما تسلّم الثانية مقدرات رعاياها لمنطق السوق الحرّ والشركات العابرة للقارات والتبعية الهيكلية.
إن الحديث عن مستوى المعيشة في العصر الحالي يتجاوز بكثير مفهوم الرفاهية الترفيهية؛ إنه يتعلق بالقدرة العضوية للمواطن على الاستمرار في الحياة من دون أن يتحول العيش اليومي إلى صراع مرير مع الغلاء الفاحش. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تفكيك البنی الاقتصادية، والسياسات المدعومة، والخيارات الإستراتيجية التي تصنع الفارق الجوهري بين الجزائر التي تختار سيادة قرارها وإنتاج قوت شعبها، والمغرب الذي يرهن استقراره لاقتصاد السوق والتقلبات الدولية.
أولا: فلسفة الدعم الاجتماعي مقابل اقتصاد السوق المفتوح
تتأسس المفارقة الكبرى بين الجزائر والمغرب على صخرة العقيدة الاجتماعية للدولة؛ فالجزائر، ومنذ استقلالها واختيارها للنمط الاجتماعي، التزمت بمسار تاريخي يضع الطبقات الهشة والوسطى في قلب السياسات العمومية. هذا الالتزام لا يُترجم في الخطابات السياسية، بل يُجسد في موازنات سنوية ضخمة تخصص لدعم المواد الإستراتيجية واسعة الاستهلاك، كالخبز، والحليب، والسكر، والزيت، والدقيق، والعجائن، والقهوة، والدواء والكهرباء والغاز والوقود…
في المقابل، اتبعت السياسات الاقتصادية في المغرب مسار الانفتاح التدريجي نحو اقتصاد السوق الحرّ، وتفكيك صندوق المقاصّة، ورفع الدعم الحكومي تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي. هذا التحرير غير المبرر لأسعار المواد الحيوية وضع المواطن المغربي وجها لوجه أمام أسواق عالمية متقلبة، إذ تلتهم زيادات المحروقات والكهرباء والخدمات الأساسية النسبة الأكبر من الدخل المحدود، مما خلق فجوة عميقة بين النمو المزعوم وبين الواقع المعيشي اليومي للطبقات الشعبية الكادحة.
ثانيا: تفكيك مؤشرات المعيشة اليومية
حين ننزل من عموميات النظريات الاقتصادية إلى تفاصيل الحياة اليومية، تتجسد الهوة بوضوح صارخ من خلال مقارنة الأرقام والأسعار الفعلية التي يلمسها المواطن في جيبه كل صباح:
- أسعار الطاقة والمحروقات: عصب الحركة الاقتصادية
- في الجزائر: تظل أسعار المحروقات مدعومة بشكل جذري، إذ استقر سعر لتر البنزين في حدود 47 دينارا جزائريا، وهو ما يتيح لقطاع النقل والإنتاج حركة مرنة بتكلفة منخفضة للغاية. أما على مستوى الطاقة المنزلية، فإن شبكات الغاز والكهرباء تديرها الدولة بمنطق الخدمة العمومية، إذ يبدأ الشطر الأول من استهلاك الكهرباء بأسعار رمزية لا تتجاوز 1.77 دج للكيلوواط ساعة، واستقرار قنينة غاز البوتان عند 200 دينار منذ عقود.
- في المغرب: أدى تحرير أسعار المحروقات إلى وصول سعر لتر البنزين إلى ما بين 14.90 و15.24 درهما مغربيا، وهو ما يعادل بالصرف الحالي أكثر من 400 دينار جزائري للتر الواحد، أي أنّه أغلى بنحو تسعة أضعاف مقارنة بالجزائر. وينعكس هذا الغلاء الطاقوي بشكل مباشر على تضخم أسعار كل السلع والخدمات. وفيما يخص غاز البوتان، فقد تهاوى الدعم تدريجيا لتقفز القارورة الواحدة نحو 70 درهما (ما يعادل قرابة 1800 دينار جزائري)، فضلا عن ارتفاع فواتير الكهرباء والماء التي تصل إلى مستويات قياسية تكوي الأسر البسيطة.
- سلة الغذاء والاستهلاك اليومي
يعكس سعر فنجان القهوة في المقاهي الشعبية مرآة صادقة للقدرة الشرائية، فبينما يستقر السعر في الجزائر عند 30 دينارا جزائريا فقط بفعل استقرار مواد الاستهلاك الأساسية وحماية القدرة الشرائية، يتراوح سعر أرخص فنجان قهوة في المغرب بين 10 إلى 15 درهما مغربيا، أي ما يعادل 260 إلى 270 دينار جزائري، أي ما يفوق تسعة أضعاف السعر الجزائري.
- هذا الفارق لا يقتصر على القهوة، بل ينسحب على السكر، والحليب، والزيوت، ومشتقات الحبوب، فالجزائر التي حققت اكتفاءً ذاتيا كاملا في صناعة العجائن والكسكس بفضل منظومة تحويل وطنية ضخمة، توفر هذه المواد بأسعار مدعومة ومضبوطة. في حين يعاني المستهلِك المغربي من تقلبات حادة في أسعار المواد الغذائية المرتبطة أصلا بتبعية هيكلية في مدخلات الإنتاج الزراعي كالاستيراد الكامل للبذور الهجينة والأسمدة المرتبطة بالخارج.
- النقل الحضري والخدمات العامة
- في قطاع النقل، تكرِّس العاصمة الجزائرية الطابع الاجتماعي للدولة من خلال شبكة حافلات “إيتوزا” التي تقدِّم تذاكر رمزية لا تتجاوز 20 دينارا جزائريا، إلى جانب مترو الأنفاق والترامواي بأسعار مدعومة بالكامل (نحو 50 دينارا).
- في المقابل، تشهد تكاليف النقل الحضري في العاصمة المغربية الرباط عبر حافلات “ألسا” أسعارا تتراوح بين 5 إلى 6 دراهم للتذكرة الواحدة، وهو ما يعادل نحو 150 دينار جزائري، مما يضع أعباء مالية إضافية يومية على عاتق العمال والطلاب والطبقات البسيطة.
ثالثا: السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي
إن انخفاض ثمن المعيشة في الجزائر ليس وليد صدفة عابرة، بل هو ثمرة خيار استراتيجي عميق يقوم على “السيادة الوطنية” في قطاعات الإنتاج الحيوية، فالجزائر تملك قرارها الطاقوي المطلق، وتعمل بخطى حثيثة على تحقيق الاكتفاء والتوطين الفعلي لشعبة الحبوب والزيوت والبذور الزراعية، والحليب الجاف، مما يحصِّن جبهتها الداخلية ضد الهزات والاضطرابات الدولية.
في المقابل، فإن النموذج الاقتصادي المغربي، وإن حاول إبراز واجهات استعراضية وتصديرية كبرى، يعاني من هشاشة هيكلية وتبعية تقنية في البدو للخارج (خصوصا الاعتماد على بذور ومُعدات مستورَدة من الكيان الصهيوني وموجَّهة للأسواق الأوروبية). هذا النموذج التصديري يفرِّط أحيانا في الموارد المائية والتربة لصالح أرباح الشركات الأجنبية الكبرى، تاركا السوق الداخلي والمواطن البسيط عرضة لعواصف التضخم ونقص الوفرة وغلاء المعيشة.
من هنا يتأكد لكل باحث منصف وموضوعي أن الهناء الاجتماعي والأمن المعيشي لا يُشتريان بالشعارات البراقة ولا بالواجهات السياحية، بل يُصنعان في ورشات الإنتاج المحلي، وبقوة القوانين الاجتماعية التي تحمي المواطن من جشع الأسواق.
إن مقارنة بسيطة بين دفع 47 دينارا للوقود أو 30 دينارا لفنجان القهوة في الجزائر، وبين دفع أضعاف هذه المبالغ الملتهبة عند الجارة الغربية، تزيح الستار عن الحقيقة الساطعة: الجزائر تظل الحصن الأمني والاجتماعي المعقول، والأكثر استقرارا، والأقدر على حماية كرامة المواطن وبساطة عيشه في وجه أزمات عالمية لا ترحم الضعفاء، مؤكدة أن السيادة الحقيقية تبدأ من رغيف الخبز المستقل وكأس الحليب وفنجان القهوة في متناول الجميع.
يعكس سعر فنجان القهوة في المقاهي الشعبية مرآة صادقة للقدرة الشرائية، فبينما يستقر السعر في الجزائر عند 30 دينارا جزائريا فقط بفعل استقرار مواد الاستهلاك الأساسية وحماية القدرة الشرائية، يتراوح سعر أرخص فنجان قهوة في المغرب بين 10 إلى 15 درهما مغربيا، أي ما يعادل 260 إلى 270 دينار جزائري، أي ما يفوق تسعة أضعاف السعر الجزائري.