-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هبّة تاريخية للجزائريين

حسين لقرع
  • 26
  • 0
هبّة تاريخية للجزائريين

ربّ ضارّة نافعة، وقد يأتي الخير من باطن الشرّ.. الحرائق المهولة التي أتت على مساحات واسعة من غابات جيجل وولايات عديدة، وتسبّبت في خسائر بشرية ومادية غير هيّنة، أبرزت بالمقابل وجها مشرّفا جدا للجزائريين الذي أكّدوا، مرة أخرى، أنّ الشدائد والأهوال لا تزيدهم إلا تراحما وتضامنا وتآزرا.
من 69 ولاية، هبّوا كالرجل الواحد، في صور رائعة نقلتها إلى العالم كلّه الفضائيات الجزائرية العمومية والخاصة ومواقع التواصل الاجتماعي، صور لرجال ونساء وشبان وحتى شيوخ وأطفال وهم يحملون مساعدات شتّى ويتّجهون بها إلى ساحات عامّة ومقارّ جمعيات خيرية قبل نقلها في قوافل شاحنات طويلة إلى جيجل والولايات المتضرّرة. وقد تنوّعت المساعدات بين مياه معدنية ومواد غذائية متنوعة وملابس وأفرشة وأغطية وأدوية… ما أزاح ثقلا كبيرا عن كاهل السلطات التي بقي لها فقط إعادة إمداد شبكات الكهرباء والغاز والمياه وجرد الخسائر لتعويض المتضررين وتوفير مأوى مؤقت للعائلات التي احترقت مساكنها في انتظار إعادة إسكانها في مناطق بعيدة عن الغابات.
واللافتُ للانتباه أنّ أكثر المتحمّسين لجمع المساعدات هم من فئة الشباب والفتيان، هؤلاء الذين قيل عنهم إنهم سلبيون وأنانيون وانعزاليون ومدمنون على المهلوسات والمخدّرات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ولا يكترثون بالتواصل حتى مع أفراد عائلاتهم، لكنّهم أثبتوا اليوم في أول امتحان عسير خطأ هذه الأحكام السلبية تجاههم؛ فهم في الصفوف الأولى للمتبرّعين، ويعملون بحماس منقطع النظير، ويوجّهونهم إلى أكثر ما تحتاجه العائلات المكلومة من مساعدات، ولا يتردّدون في الاتجاه في قوافل كبيرة إلى الولايات المتضرّرة.. لقد أثبت فعلا هذا الجيل أنّه يمكن التعويل عليه وأن لا خوف على مستقبل الجزائر بوجوده، وأنّ أحفاد المجاهدين والشهداء قد ورثوا عن أجدادهم جينات الرجولة والشهامة والأنفة والإيثار والتضامن والتراحم…
كم هي رائعة صورة تلك الطفلة التي لا يتعدّى عمرها 8 سنوات وهي تتبرّع بدميتها وألعابها للأطفال المتضررين بجيجل، وتلك السيدة التي تخلّت عن الذهاب إلى العمرة وتبرّعت بمالها، ولعلّ ذلك المال هو حصيلة سنوات عديدة من التقشّف والادّخار بغية الاعتمار به، لكنّ هذه السيدة رأت في آخر المطاف أنّ المتضرّرين من الحرائق أولى به من العمرة فتصدّقت به، وعروس تبرّعت بنصف جهازها، وثالثة باعت خاتمها الذهبي بـ70 ألف دينار للتبرّع بها.. ولا ننسى صورة ذلك الرجل من ذوي الهمم وهو يتحامل على نفسه ويحمل مساعدات ثقيلة ويقدّمها لجامعي تبرّعات، ولعلّه أحد المحتاجين وهو بحاجة ماسّة إليها، لكنّه آثر المتضررين من الحرائق على نفسه… هي صور ناصعة للإيثار والتراحم والأنفة والشهامة تدعو إلى الإعجاب والفخر أمام العالم كلّه، فالنيران التي أحرقت جزائريين في جيجل وبجاية وتيزي وزو وغيرها، ودمّرت بيوتا ومزارع وأملاكا كبيرة، أظهرت أيضا أنّ الجزائريين كالذهب، كلما تعرّض للنار ازداد لمعانا وبريقا.
ومع ذلك، فإنّ هذه الصور المشرقة التي خفّفت عن الجزائريين أحزانهم ينبغي أن لا تنسينا القضيّة الأساسية وهي المدى الكبير لانتشار الحرائق مقارنة بالسنوات الماضية وسرّ اندلاع 190 حريق في عدّة ولايات في وقت واحد، ومن يقف وراءها: هل هي جهات إجرامية في الداخل أم الخارج؟
وإلى أن تصدر نتيجة التحقيق الذي أعلنت السلطات عن فتحه لتحديد المسؤوليات، والتصرّف في ضوء ذلك، فإنَّه ينبغي الاجتهاد في البحث عن حلول وقائية ناجعة إذا أردنا أن لا تتكرّر هذه الفاجعة في المواسم المقبلة.
بقي أن نثمّن عودة الدولة إلى تنفيذ أحكام الإعدام، انطلاقا من مشعلي النيران عمدا، وهو قرار جريء وجاء في وقته المناسب ليكسر تلك الحلقة القاتمة التي دامت 33 سنة كاملة؛ فأحكام الإعدام، في مختلف القضايا، كانت تصدر منذ نهاية سنة 1993 إلى اليوم، ولكنها لا تنفَّذ، وقد تعالت أصوات كثيرة تلحّ على تنفيذها، لكنّ يبدو أنّ ضغوط منظمات “حقوق الإنسان” الدولية والوطنية قد دفعت السلطات إلى التريّث طيلة ثلث قرن، لكنّها قرّرت اليوم تصحيح الوضع والعودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام تدريجيا والبداية بالمجرمين الذين يحرقون الغابات عمدا، في انتظار توسيع التنفيذ لاحقا ليشمل باقي الفئات التي تستحقّه وفي مقدّمتها خاطفي الأطفال وقاتليهم وكبار بارونات المخدرات ومن يرتكب جرائم قتل متعمّدة وفئات أخرى ينصّ عليها القانون… ذلك أنّ من يحرم الآخرين من حقّهم في الحياة لا تحقّ له الحياة، خلافا لما تتشدّق به منظمات “حقوق الإنسان” من هرطقات، وتنفيذ أحكام الإعدام سيكون حلا ناجعا لاستفحال الجريمة في البلاد في السنوات الأخيرة.
ربّ اجعل هذا البلد آمنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!