-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الوقفة الكبرى تبدأ حين ينطفئ آخر لهب

لعلى بشطولة
  • 68
  • 0
الوقفة الكبرى تبدأ حين ينطفئ آخر لهب

نختلف كثيراً، وهذا من طبيعة الأحياء. نختلف في السياسة والأفكار والأولويات، وفي صورة البلاد كما نريدها أن تكون. نختلف في المقاهي والبيوت والجرائد وفي الشاشات الصغيرة التي صارت ساحتنا العامة، ونرفع أصواتنا أحياناً فوق ما تحتمله المسافة بيننا. لكن في كل شعب نداءً أقدم من خلافاته كلّها، لا يُسمع إلا حين تنزل الشدّة: نداء الجزائري للجزائري. اليوم يصلنا هذا النداء من جيجل وبجاية، ومن كل قرية ودشرة ومشتة مرّت عليها النار. ليس هذا وقت الكلام الكثير. الأرض احترقت، والناس تعبوا، وأمامنا واجب واحد: أن نعيد الحياة.

تنطفئ النار، ولا ينتهي الحريق. آخر لهب ليس آخر الحكاية، بل أوّلها. هناك رجل سيعود إلى أرض كان يعرف فيها كل شجرة باسمها، فيجدها سوداء. وامرأة ستفتح باب بيتها فتجد الدخان قد سكن الجدران. وفلاح سيقف أمام بستان غرس أبوه بعض أشجاره قبل أن يموت، يفتّش في الرماد عن شيء بقي حيّاً. وطفل سيعود إلى مكان كان أخضر في ذاكرته، فيجده بلون آخر. هذه اللحظة لا تلتقطها الكاميرات غالباً، وهي أقسى ما في الكارثة: أن تنجو، ثم تقف أمام ما خسرته فتسأل نفسك: من أين أبدأ؟ وجوابنا يجب أن يكون واحداً: ابدأ من هنا… ونحن معك.

الوقفة

الوقفة مع بعضنا ليست جديدة علينا، ولا نحتاج من يشرحها لنا. عرفناها من الجدّات والأجداد، قبل أن تُخترع الجمعيات والبيانات وحملات التبرّع. إذا سقط سقف بيت جاء الجار. إذا ضاع محصول فلاح وقف معه فلاح آخر. وإذا وقعت الشدّة لا يسأل الناس أولاً عن الاسم واللقب والجهة واللسان والرأي، بل يسألون سؤالاً واحداً: واش خاصكم؟

وهذا ما يجعلني، وسط كل هذا الألم، فخوراً بهذا الشعب. رأينا الجزائريين يتحرّكون: من يعطي الماء، ومن يجمع الغذاء، ومن يفتح مخزنه، ومن يضع شاحنته في الخدمة، ومن يتطوّع بوقته وماله وجهده. أناس لا يعرف بعضهم بعضاً، وربما لن يلتقوا مرة أخرى، لكن أحدهم سمع أن جزائرياً في مكان بعيد يحتاج إليه، فقام. يا لها من بلاد حين تتذكّر نفسها.

وبروح فكر مالك بن نبي، لا تُقاس قوة المجتمع بعدد أفراده وحده، بل بالروابط التي تجعل منهم مجتمعاً. والنار، قبل أن تختبر غاباتنا، تختبر هذه الروابط أيضاً. الغابة المحروقة خسارة تُحصى بالهكتارات؛ أما شعب بقي بعضه سنداً لبعض، فيستطيع أن يبدأ من تحت الرماد.

الآن يبدأ الأهم

أخشى شيئاً واحداً: أن تنتهي الوقفة بانتهاء النار. فأهل المناطق المنكوبة لن يحتاجوا إلينا أثناء الحريق فقط. سيحتاجون إلينا أكثر حين تنصرف القوافل، ويهدأ الخبر، وتغادر الكاميرات، ويبرد الرماد. هناك تبدأ المعركة الأطول: إعادة البيت والحقل والبستان والحظيرة ومورد الرزق، وإعادة الإنسان نفسه إلى حياته. لهذا أقول: الوقفة الحقيقية تبدأ الآن.

لسنا بحاجة إلى قوافل الإغاثة وحدها، على نبلها وضرورتها. نحن بحاجة إلى ورشة جزائرية كبرى لإعادة الحياة إلى جيجل وبجاية وكل منطقة منكوبة. نريد أن يعود الفلاح إلى أرضه، وأن تستعيد الأسرة بيتها، وأن يستعيد الإنسان وسيلة رزقه وكرامته. فالكرامة ليست أن نُعطي المنكوب بلا انقطاع؛ الكرامة أن نقف معه حتى يستطيع أن يقول لنا: شكراً، أستطيع الآن أن أكمل وحدي.

الإنسان والتراب والوقت

ما نحن مقبلون عليه تختصره معادلة مالك بن نبي: إنسان، وتراب، ووقت. الإنسان أولاً: لأن أخطر ما تتركه الكارثة ليس ما ينكسر حول الإنسان، بل ما قد ينكسر داخله. مهمتنا أن نساعده على الوقوف: أداة للفلاح، علف للمربّي، ورشة للحرفي، وثقة للجميع. والتراب: لأنه ليس منظراً في صورة، بل ذاكرة ورزق وحياة؛ جبل وتربة وماء ومرعى وموسم تنتظره عائلات. ثم الوقت: لأن النار تعمل في ساعات، بينما الأرض والغابة تحتاجان إلى سنوات. لا يجوز أن نواجه زمن الكارثة الطويل بذاكرة قصيرة. الشجرة لا تكبر على إيقاع نشرات الأخبار، ومن يغرس اليوم عليه أن يقبل أن يعود غداً وبعد غد ليرى إن كانت شتلته قد عاشت. هذه هي الحضارة في أبسط صورها: إنسان لم ينكسر، وتراب لم يُهمَل، ووقت قبلنا أن ندفعه كاملاً.

جاؤوا من الجزائر

هذه الورشة تتّسع لنا جميعاً: للدولة والبلديات والجمعيات والمؤسسات والجامعات، وللفلاح والمقاول والتاجر والطبيب والمهندس والبيطري والشاب والمتطوع. وحتى من يقول: «لا أملك شيئاً أقدمه»، يستطيع أن يغرس شجرة، أو يعمل يوماً، أو يحمل حجراً، أو يدلّ على عائلة لم تصلها المساعدة، أو يعين فلاحاً على تنظيف أرضه، أو يقول لمنكوب: لست وحدك. لا توجد يد صغيرة عندما تبني وطناً.

وأتمنى أن تصير هذه المحنة فرصة لنكتشف بعضنا من جديد: فلاح من الغرب يساعد فلاحاً في الشرق، وشاب من الجنوب يغرس في الشمال، ومقاول يرسل آلة إلى قرية لا يعرف فيها أحداً، وطبيب يعالج، وبيطري يساعد مربياً، وأطفال يجمعون من مصروفهم شتلات لأطفال لم يروهم قط. لا تسألوا من أين جاء هؤلاء. قولوا فقط: جاؤوا من الجزائر.

هذه هي الجزائر التي نحتاجها: لا تسأل من أنت قبل أن تمدّ إليك يدها، ولا تفتّش في أفكارك قبل أن تعينك على الوقوف، ولا تفرّق بين عربي وأمازيغي، ولا بين شمال وجنوب، ولا بين من يتفق ومن يختلف. أمام بيت احترق تسقط المسافات، وأمام دمعة أمّ لا توجد جهة ولا لهجة ولا رأي سياسي. يوجد إنسان. ويوجد وطن.

سنغرسها معه

فلنجعل إعادة إعمار المناطق المنكوبة موعداً نلتقي فيه بدل أن نفترق. لنغرس، ولنعد تأهيل الأراضي، ولنساعد المربّين على استعادة ماشيتهم، والفلاحين على استعادة أدواتهم، والعائلات على ترميم بيوتها، والقرى على استعادة نبضها. وليكن هدفنا أكبر من إصلاح ما أتلفته النار: أن تصبح هذه المناطق بعد سنوات أجمل وأقوى وأكثر حياة مما كانت.

تخيّلوا ذلك اليوم: جبل نراه اليوم أسود وقد عاد أخضر. شتلة تخرج من أرض غطّاها الرماد. بيت تُفتح نافذته من جديد. حظيرة تعود إليها الحياة. سوق قرية يستعيد ضجيجه. طفل يركض في مكان كان قبل أشهر محاصراً بالدخان. وفلاح يقف أمام شجرة صغيرة، يضع يده على جذعها وينظر إليها كما ينظر الإنسان إلى وعد. ربما تكون إلى جانبها بقايا شجرة قديمة غرسها أبوه. ربما يبكي. دعوه يبكي. ثم أعطوه شتلة أخرى. سنغرسها معه.

هذا هو الردّ الذي يليق بالجزائر على النار: ليس الرماد بل الشجرة، وليس اليأس بل العمل، وليس انتظار ما سيأتي بل أن نصنعه نحن. ما احترق قد احترق… لكن الغد لم يحترق.

شعب واحد

من لقواط إلى جيجل وبجاية، ومن تبسة إلى تلمسان، ومن العاصمة إلى تمنراست، ومن كل مدينة وقرية ودشرة في هذه الأرض، لدينا فرصة لنقول لأنفسنا قبل أن نقول للعالم: قد نختلف في أشياء كثيرة، لكن حين يتألّم جزء من الجزائر، تستطيع الجزائر كلها أن تصير قلباً واحداً.

لا أريد أن تنتهي قصة هذه الحرائق بصورة جبل أسود. أريد صورة أخرى: بعد سنوات، آلاف الأشجار كبرت، والحقول عادت، والبيوت عُمّرت، والقرى نهضت، وطفل يسأل أباه: من زرع كل هذه الأشجار؟ فيجيبه: زرعها الجزائريون يوم احترقت أرض إخوتهم.

تلك هي الجزائر التي تستحق أن نورّثها لأطفالنا: جزائر لا تنكر اختلافاتها، لكنها تعرف متى تضعها جانباً؛ قد تتعب وقد تتخاصم مع نفسها، لكنها حين تسمع الاستغاثة تعرف الطريق إلى أهلها. وإذا احترقت شجرة في أقصاها، شعر رجل في أقصاها الآخر أن شيئاً احترق في حديقته.

أمامنا ورشة كبيرة. فلنبدأ. من يستطيع أن يبني فليبنِ، ومن يستطيع أن يغرس فليغرس، ومن يستطيع أن يعطي فليعطِ، ومن يستطيع أن يعمل فليعمل. ومن لا يملك إلا قلباً يحبّ هذه البلاد، فليأتِ به. سنحتاج إليه أيضاً.

لأننا هذه المرة لا نريد أن نرمّم ما أحرقته النار فحسب، بل أن نستعيد شيئاً نحتاجه جميعاً بقدر حاجة المناطق المنكوبة إلى إعادة البناء: شعورنا بأننا، رغم كل شيء، شعب واحد.
جيجل وبجاية وكل المناطق المنكوبة ليست وحدها. وراءها الجزائر.

وسنزرع، ونبني، ونعود. حتى تكون الحياة آخر من يغادر المكان، وحتى تكون الجزائر أول من يعود إليه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!